مساءً ، في ليلة كهذه مبللة سوداء ... فنظرت اليه طويلاً ثم اشاحت بوجهها ولم تنظر الي ... كانت تبكي في صمت . جننت ألماً فأخذت وجهها بين يدي صارخاً بغير وعي : « لماذا لا تنظرين الى وجهي وتقولين : « باركك الله يا ولدي » كما تقولين لاخوتي عندما يأتون اليك بدراهمهم ؟ اني احبك كما يحبونك بل اكثر ! لماذا لا تنظرين الى يدي هذه التي ترسم كما تنظرين الى ايديهم التي تعمل وتكتب ؟ ستأتي لك هذه اليد بالدراهم يوماً ما بل بالذهب ، فاستحلفك بالله يا امي ان لا تهزّي رأسك ألماً كلما اريتك رسماً ... فهبّ ابي متوعداً ، فارخيت يدي وابتعدت زاحفاً الى زاويتي ، فلحق بي وجلس الى جانبي ينظر اليّ حائراً ملتاعاً ..
« سامحني يا ابي ، لن اصرخ هكذا مرة اخرى » فاحاط كتفي بذراعه قائلاً : « اننا نحبك كما نحب اخوتك ولكنك لا تحاول الحصول على رضانا كما يفعلون هم .. انك لا تدرس ولا تحاول ان تتعلم كما يفعلون هم ... إنهم يساعدونني اذا وجدوا وقتاً وتجلس انت بعيداً سارح النظر ترسم سخافات كهذه غير شاعر بوجودنا ...
لماذا انت هكذا يا بني تختلف عن اخوتك ؟
لم اجبه وانتظرت حتى يئس من جوابي وتركني . فتسللت الى فراشي في الغرفة الاخرى انتظر وقع اقدام امي تأتي لتحدثني فلم تأتِ .. فقلت : انها تبكي خيبة املها فيّ ، الحامل البليد ، اصغر اولادها واتعبهم ... أأزعجك بكلامي المرير هذا ؟
- « كلا مطلقاً ! انت لا تزعجني ولم تزعجني ابداً .. اني احبك اكثر من كل انسان في هذا الوجود ... اتريدني ان أضيء لك النور ؟ »
- « لا ، اريد ان اتحدث على مهل هكذا ، في الظلام » ..
- تحدّث ، حدثني ، كلي قلوب وعيون وآذان » ..
هذا الريح وصمت الليل مرهفاً أذنيه .
- « جرفتنا الايام معها وبقيت انا كما كنت بل ازددت بالرسم براعة وولوعاً وازدادوا هم يأساً من خيبة حياتي وقنوطاً ...
كنت انكبّ الساعات الطوال وحيداً مع صوري انتزع من كلال نفسي ومضات امل وخطفات تفاؤل ،

