هناك بضاحية من لندن، في منتزهات « ريتشموند » ، بين الاشجار الضخمة المفعمة بالجلال ، السابحة على هضاب الحشائش والاغراس ، حيث تتأوه العطور وتتنفس الورود أشعة سحرية بين خيوط المياه الساهية الملتقية بالخطوط الفضية بروعة وانسجام ؛ جلست فوق التراب الباعث أسراره الى كؤوس الازهار المختلفة تجاوباً لسره الكبير ، تطبع انفعالها في ألوان زاهية ، وقد استحالت البحيرة ألحاناً ، ونطقت الإوزات فيها ألغازاً ، وأوسعني الضباب المهيب شجواً والواناً ، والقلب مني ثمّ مغرد يحدوني لأذوب إزاء العذوبة والجمال !
ومثل بنات الاساطير ، تنقلت بجناح روحي ، من ظل الى ظل ، واشباح الشعراء مائلة في كل مكان ، توحي إلي بالسجود لما نقشته الطبيعة والعلماء من روائع ، في تذكر ، « بيرون وتينسون » واجفان النسيم محدقة بلبي ، تذكي فيه الدعة والسلام .
ومشى ركب المتنزهين حولي ، بين فارسة وفارس فوق ظهور الجياد المطهمة وصغيرات يجررن كلاباً أنيقة ، وجدة ممتلئة العافية وحفيد جميل ، وراقي حسن الطلعة وازدهاء البهاء ، فغدوت عيوناً تتفرس الوجوه البيض وظرف التلوين في الحدود ..
وخلال هذه السابلة الانكليزية
المترفة ، بين مشهد العجائز المتألقين حبوراً .. سعت الى مخيلتي ، أحاط كتيبة تناديني ، وفي لحظة تذوقت عبودية المحرومين وحدهم ، ونفرت من قبح الآمنين ، وتذكرت وطني !
ذاك الذي تدوس هامته العظيمة اعقاب الاسى ، وتلاحقه مذلة البغض والتناحر .. ! لماذا تتنزه عجوزات لندن، سادرات بالرعاية والاعتداد محاطات بلطف الشكيمة ، ورديات الوجنات ،
قليلات الترهل والغضون وتكسوهن الايام رداءً قرمزياً ، بطيء البلى ، وتحضنهن الصحة ، فتسفر الجباه عن بسمات لا تنتهي ! وفي اقاصي قلوبهن تتجمهر الالحان ، وكأن ما يبدو من تناسق الهندام ، هو بعض ما ترويه عزة اليمن والرخاء ، فيليسن من الثياب زاهيها ومن العقود براقها العجيب !
في حين تكون البهجة شحيحة ، اذ يتقدم العمر ببلادي ، حيث ينمو الجفاف والذبول ، ويذوي الشباب بين الشفقة والنضال ، ونقاب القنوط مسدل منذ فجر الصبا ، والجروح متسعرة ، روية الحسرة ، بما اضناها من قيد
وأجهدها من مسؤولية ، وما لاقت من أليم خيبة وانحدار !
كسيرات التأمل ، ذليلات القسامة عجوزات وطني !
وكأن هياكل ضلوعهن الشهمة ، مثوى الارواح البائدة الغالية ، تتحرق فيها غصص الحنان ، وتدوسها اقدام الطغاة ، ثمناً لأشبار مغتصبة ، فتجمد العيون ، ويسكن الفراغ في النفوس ، وتتوارى الصور البهية عن الجنان ، هاجعاً فيه تقلص السنين ! دائمات الروح بالتنكر والجود ، مهددات بهذر الحمول ، والنفوس منهن مندثرة اللحن ، خامدة الضياء ، يصيح فيها ألف صوت هادم أثيم .
لماذا تنطق النجوم في ثغور أطفالهم ، ويغفون مع قلائد البنفسج والياسمين وتردد انفاسهم المترية ما نشقت من أريج العطف ، فلا يسيرون إلا مغدقين بلمسات التحبب والتودد المرهفة فيهم مشاعر الوداعة والركون ، في حين يمتهن أطفال وطني ، بالغلظة والجفاء ، وتتمتم الشفاه الطاهرة منهم باللعنة والسباب ، وتهيأ بعض السواعد العاجزة الصغيرة للكد والارهاق !
لماذا انت يا وطني الجليل ، مثخن بالجراح ، تسكن فيك الحفائظ والاحقاد وديار الغرب عتيدة ، تنسج افراحها ابتسامات الفكر ونضوج العواطف الساحقة !
لماذا ارضك الوضيئة مرمى البهتان والتحامل والوشاية ، وارض هؤلاء منار لقيمة الفرد الاوحد ، يسامح فيها ويقوم ويشجع ، وتبسط امامه سبل الحياة بالمعرفة والمعونة والادراك .
في اعماقك الابية ، بسمات متغيبة ،

