وجباه كئيبة تنشج بسكون ، والتنهد منك وجميع ، يلدع الفؤاد ويكوي النفس في بعيد القرار ، فيك اللوعة والكتمان وإسالة التجدد ، وحولك اسرار الفيض الالهي ، تناجي يأسك ، بهمسات بابل ، بموحيات مصر ، بكل ما انبعث من مدنيات وازدهر من عمران وتجمهر وبرز من جلال في الهلال الخصيب ، بما ذل إزاء مجدك من دول واندثر من شعوب وأمم ، بجميع ما تدفق من تهليل وتكبير في جزيرة العرب ، أخت القداسة والنبالة والتضحية !
يحتشد فيك العوز والوباء ، ويحتسي الغرب اكتفاء وعافية ، وبدلاً من بعثه الاخاء لروحك الامين ، ترهف قواه الغالبة فيك البغضاء والنفور ، فيستكين صدرك النبيل لحزازة النقمة اللاعنة !
لماذا ترمقك البطالة بعين مريضة ، وتخصب الفوضى في ارجائك السمحة ، وكأن الفتور يحدو خطواتك المتريثات !
بنيات السنين ، يا ابن المروءات ، عبثت يد التقدم حثيثة في الغرب الأريب وانت قابع تنزوي وراء التمائم والتعاويذ ، يعذبك الذهول ، ويكتويك النزق والخمول !
فهات يدك المحمومة ، الذاوية بالحرق والندوب ، ودع عنك كآبة العهود ، هات الانامل الرقيقة النادرة ، التي كانت تنقل يوماً إشارات الذهن الى العالم كله ، مدها نطبع عليها لثمات الاستغفار ، ونوسعها واجباً عملاً !
هي ذي قيثارة الطيور تعزف لي انغاماً ، ها هي ذرات المياه تنعكس على الخمائل راوية ظمأ الاحلام ، عاقدة حلقة تدور راقصة بين تلطف الغزلان
وهزج الاطفال ! هوذا امتزاج التغاريد بأمواج العطور في حديقة تزيح الستار عن غامض الخيال !
ولكنك هنا يا وطني ، تجثم في صدر يبرح به الشوق لنموك ، لنموك لبلوغك كعبة الكمال ؛ فيرزح متأوهاً لآفاقك ، نادباً لإعصارك ، متفجراً ، متلوعاً ، متسائلاً : كيف يدفع بك قدماً ؟ !
كيف اغدو من اجلك لصة ، ألمم
التغاريد واصطفي الألحان ، واسترق مظاهر الرقي والتقدم ، واتلصص قابضة على أعنة النظام ، الرافع شأن الامة ، المهذب افرادها !
كيف استلب شيئاً من نضارة البهجة الغزيرة ، والضحكات الصافية العميقة ، والحدائق البديعة المنسقة ! واسكبها في ربوعك ... كيف اسطو على هذه الدماثة والرقة وكرم الخلق ؟!!

