ألا يمكننا الاحتفال بعيد الميلاد من غير ان تقطع الاشجار؟
سؤال تردد في ذهني عندما رحت اتساءل عن مصدر هذه العادة التي استفحل امرها في المدة الاخيرة واتخذت عندنا اهمية كادت تهدد ثروتنا الحرجية بالنضوب وتقف حائلاً دون الجهود المبذولة لتحريج لبنان وتشجير جباله.
ليس من شك في ان هذه العادة دخيلة على ربوعنا. لم يعرفها اجدادنا ولا الجيل الاسبق ولا يزيد عمرها هنا على عمر جمعية اصدقاء الشجرة. فكأنها وجدت لهدم ما يبينه اصدقاء الشجرة، وكأن اعضاء هذه الجمعية بمساهمتهم في قطع اشجار العيد يستردون باليد الواحدة ما يعطونه باليد الاخرى.
أعود بالذكرى الى يوم كان فيه الاولاد يستعدون لعيد الميلاد بزرع حبوب القمح والعدس والفول في صحف صغيرة مستديرة يرشون عليها الماء كل يوم فتنمو نمواً يبهر النظر وتتماوج خضرتها في النوافذ والشرفات، بشير خير وطالع يمن. فيتحلق حولها الصغار مبتهجين، ويتلقون عندها دروساً اولية في اسرار النبات وعجائب الطبيعة.
ولم يقف بهم النشاط عند هذا الحد. بل كان منهم من ينصرفون الى تهيئة شخوص المغارة بأنفسهم فيذهبون الى ظاهر القرية حيث يجمعون من الطين كتلاً يعجنونها بأيد لبقة ليصنعوا منها تماثيل خشنة فطرية لمريم ويوسف والطفل والرعاة. ومنهم من كان نصيبه صنع النعاج من خشب مغطى بالقطن او من صوف خيط حول قطع المقوّى او حشايا التبن. وفي اليوم الموعود يجتمعون كلهم ليصنعوا المغارة التي هيأوا ادواتها معتمدين على ذواتهم، ممارسين في الفن اساليب ذاتية لم يتلقوها في رياض الاطفال.
كان هذا قبل ان يهاجمنا من الغرب سيل اللعب والزخارف والشخوص والشرائط والكرات البرّاقة، ومعها تقليد شجرة
الميلاد التي انحصر استعمالها أولاً في بيوت قليلة ثم فشا امرها وفعل التقليد مفعوله، فاصبح الحصول على الشجرة امراً لا بد منه للاحتفال بالعيد لانه زي شائع يستعبدنا كسائر الازياء.
عبثاً تحاول الحكومة وجمعية اصدقاء الشجرة تنظيم اعمال القطع فهي عاجزة عن منع التخريب والسرقة وسائر اعمال التعدي التي تغري بها هذه التجارة الرابحة.
حدّثني احد المطلعين ان فلاناً نال رخصة من الحكومة بقطع ألف شجرة من احد الاحراج فقطع عشرة آلاف. والذين يحذون حذوه كثيرون. ناهيك بالاشجار التي تنقل وتباع بطريقة التهريب وتلك التي لا يُراعى في قطعها قانون زراعي ولا قاعدة فنية.
ان عادة قطع الاشجار لعيد الميلاد مجتلبة من بلاد كثيفة الاحراج، كثيرة الغابات ــ كأقطار شمالي اوروبا ــ حيث لا يؤثر القطع في كثافة الاشجار وسرعة نموّها. بخلاف اقطار البحر المتوسط حيث تقلّ الاحراج وتجد الاشجار صعوبة في النمو لتكاثر اعدائها من سيول تجرف التربة الى البحر، وجفاف يستمر معظم شهور السنة، ثم قطعان الماعز التي تفتك بالنباتات قبل نموها.
إنما عادة لا تتصل بأرضنا ولا بتقاليدنا. وهي فوق هذا لا تتضمن اي مغزى روحي او قيمة دينية. لكنها (حسب تحقيق الدكتور انيس فريحه) عادة وثنية الاصل اتخذها الاقدمون عندما كانوا يؤمنون بآلهة الشر ويخافون ارواحها الخفية الهائمة حولهم في ليالي الشتاء الطويلة فيقطعون الاغصان، ويعلقون فيها التعاويذ التي تطرد الارواح الشريرة، ويجعلونها على الابواب وداخل البيوت.
اما اذا كان لا بد لنا من شجرة في العيد، فلماذا لا نزرع واحدة في بيوتنا، في صفيحة او في صندوق خشبي نضعه على الشرفة او في ركن من الدار، فتنمو الشجرة مع الاولاد كل سنة وتصبح شجرة الميلاد التي زرعناها بأيدينا واغتنينا عن تشويه الاحراج وانتهاك حرمتها.
بهذا نعلّم الاولاد ان يزرعوا بدلاً من ان يقطعوا ونقوم بعمل انساني يغتفر تعلقنا بعادة لا تحمل شيئاً من روح الميلاد.

