يا أمير الآكام ، وملك الغابات والآجام !
يا هذا الأسد الرابض في رفاه القضبان الوجيعة ، وكأنك قيصر تتربع امجاد عرش مندثر !
ها هم الناس حولك ماثلون ، يتخطف أعينهم عنفوانك الناطق بلغة الشراسة والامتهان ، وكأنك شعور الزهو يجدوهم ليقفوا منك نظيراً ، لا يفصلهم عنك سوى قليل الأشبار والخطى !
جاءوك يستمعون حكاية غمومك ، ويتعرفون إلى تناسخ القوة في مجبريك الخارقين ، ليفهموا كيف يثوي البطش بين الضلوع ، متحولا في أتون القهر تجلدا وتصبرا وثباتا !
ولكنك تقف حيالهم ، جامد الثأر ، شريف الصمت ، وكأن ما مر بك من حفيظة وموجدة في أسرك الضنين ، هو بعض ما فيك من روعة وجلال ! فتشابه نظراتك في وجوه المتفرجين ، معانات التفحص في اختلاف الأشكال والأجناس ، متفرسات باستدارة الرأس البشري ، هازئات من تجمع الحركة في اليدين ، ومن انفتاح الثغر للنطق والضحك والبكاء !
ذليل هذا الغرور العتي الذي ينبه ترفع الإنسان أمام ضعفك المقدس !
فيمد لك الطفل لسانه ، ويضرب الكبير عصاه قربك ، تستحثه البهجة ،
أنك ذليل ، فلا يتحاشى لك طريقا ، ولا يتبع لهولك سبل الحذر والتحفظ ، وأنت ! يا أوفر المخلوقات اقتدارا ، تنمق له الأمثولة عن القيود الأليمة ، التي تطبع صفحة حياة بأسرها ، شقاء وهوانا ! فلا يذكي الوجود في سويدائك ، سوى العبرة الجائلة على المقلة الوحشية الظامئة إلى الافتراس !
أنت دائم التحدث عن الإنسان ، عن هذا الذي كلما لدعته الضغائن ، أو عضته الكراهية والصرامة ، سعى إليك فوجد للتنكيل بك لذة ، ولاذعانك ظفرا ومضاء ، فاتخذك محجة قسوته ، ورنا إليك متشفياً وأنت تنتقل بين أصفادك التي أعدها لانتحارك البطيء ، فيدوسك إهماله مستخفاً ، وتبتسم حاسته الأثيمة ، كلما شهد الكبرياء منك ، تلازمها الذلة المقيمة ، وتنبثق في مخيلته صنوف الإيلام المذيب ينابيع التعاطف ومعالم الوجدان عن جوارحه الصلدة القاسية !
فإذا ما ألح عليه الوجاهة والفخر ، وتشققت جلابيب التعاسة عن ناظره وجدك مثوى سلواه ، يتضاحك إزاء حزنك ، ويزدهي تيها أمام رضوخك المهيمن !
في صدرك الهائل ، تتهامس أسرار القوة والصمود ، ومن زئيرك المدوي تتجسد معاني الطغيان الحبيس ، والشفة
المتهدجة تطوي حكمة الأنياب التي تنهش الأكباد ، وتبتعث الكلوم ! والنظرة منك مريرة النطق باكية الطلاقة والزهو الوسيم !
قل يا منشود اللبوة ! يا موطئ عطفها ورعايتها ! ما الذي يتجمهر في أحداقك النفاذة من كثافة الأحلام ؟ أهي الغابات الزاخرات بالوحوش تذيب أنفاسك وجدا ، حيث يستحيل النطق فيها دمدمة وأنينا وصواعق زئير ؟ حيث تزهق أرواح الزواحف والطيور ، يشيعها التطلع الخائف من حكم الجبابرة ! أيظل متأصلاً فيك هذا الطغيان ؟ وتبسم دون انتهاء لإبادة الأرواح الغاليات ؟ وتمثال الموت يجيبك بقبسه الكفيف ؟!
ماذق ، كاذب ، هذا الإنسان الذي كبلك بالحديد !
فهو مثلك أنت أيها المندحر ، يتعثر بالإصفاد والقيود ، ولئن لمحت بسمته في الشدائد والخطوب ، فهي رمز البسالة التي تجعله عنك متميزاً فريداً ولئن شقت الأهوال أخاديدها في وجنته ، فتغضنت الجبهة الملساء وقست اللمحة ، وتهدج الصوت الحنون ؛ ففي أقاصي النفس منه ، تنمو ملكات الحنكة والفهم والتجربة ! لتحتضن الآلام بقوة مستبسلة ، ولتطفئ جمرات الكآبة والعذاب ، بالإرادة المبيدة التي أودعته صولجان الإنسانية السامية !
هو الإنسان مثلك في قفص مجتمع رهيب ، تذبحه الملابسات والتقاليد ، ويمحقه التشيع والتعصب ، ويذله الانقسام الذي يفرق طاغياً بين عظيم وحقير ، ونابه وخامل ، وذكر وأنثى !

