
فلم يجب .. كان ينظر بعيداً ..
ينظر في فراغ ..
خطوت الى الخلف وعدت الى غرفتي يائساً ملتاعاً ..
١٠ نيسان ..
إنه يهيء نفسه للسفر ..
انه لا يكلمني وحين يكلم اختينا تبكي عيونه ناراً ...
ماذا افعل يا ربي لاعيد الحياة الى قلبه ؟ سأعترف بما فعلت ! سأعترف بما فعلت ! سأعترف فساعدني يا ربي ..
١٢ نيسان
وقفت اليوم امام ابي وامي ودلال واخبرتهم بكل شيء .. وقف هو عند النافذة ينظر بعيداً .. ينظر في فراغ ..
وجمدوا هم في اماكنهم ينظرون ولا يفهمون فهتفت :
« ألا تسمعون ؟ لقد حنثت بالقسم وفضحت السرّ الذي تعاهدنا على كتمانه .. اخبرته بانه ليس منا وان اصله مجهول كامنه .. أسميته « صباحاً » لانكما وجدتماه صباح يوم صيف عند جذع شجرة طفلاً باكياً جائعاً ... أمي ، لا تنظري اليّ هكذا ... ابي يربك قل شيئاً ...
فتقدم مني ابيض الشفتين شاحب الوجه وقال بصوت كالجليد :
« لماذا فعلت هذا ؟ لماذا » ؟
فأجبت مرتجفاً : « من أجل فتاة احببناها نحن الاثنين ... اردت ان اصغر من شأنه امامها وأذيب شخصه فاجرمت من حيث لم اقصد .. لا اريده ان يرحل يا ابي ! اني أحبه ولا اريده ان يرحل » ...
عندئذ صفعتني دلال فتحسست خدي واشحت بنظري عنها ..
« لن اغفر لك هذا ما حييت . اني امقتك » .
فهربت .. هربت بغير ان انظر الى عيونه المشتعلة الباكية ناراً ...
١٦ نيسان
يجدونه فلا يصغي الى ما يقولون ! يصيحون ويهدّدون فيحني رأسه ويعض على شفتيه ..
لقد عزم على الرحيل وصمم .. انتهت حياته عندنا ... أنهيتها انا ، بكلمات محمومة مجنونة من اجل فتاة ! عجباً ! إني لا افكر فيها الآن ، فقد كرهتها .. اني افكر فيه هو ، المخلوق الذي عرفته اخا يشاركني الاسم والاب والأم والاخوات منذ عرفت الحياة .. ماذا فعلتُ بقلبك يا أخي ؟! الى أي جحيم طوّحت به فحرقته بغير رحمة ؟
٢٦ نيسان
يوم سفره يقترب ويوم عقابي يتقدم مني شيئاً فشيئاً كخطوات جلاّد ...
إنه كمن يقف عند حدود يخاف التقدم ويهاب الرجوع .. ارجع يا اخي ، فوراء الحدود يكمن المجهول المخيف الذي لا رحمة فيه ، عد الينا ونحن نعينك على النسيان ...
٥ ايار .
دقّ باب غرفتي امس فجأة ودخل .. هبيت واقفاً ولم اعرف ماذا اقول .. فالقى يده على ذراعي وقال منفعلاً :
« إغفر لي قسوتي ، لم تؤلمني انت بالحقيقة . الجاني هو القدر » ..
كدت اقفز فرحاً واصفق سروراً. لكني تمالكت نفسي وقلت قابضاً على فرحتي الذهبية بقوة وعزم : « اصفح عن القدر وعنا يا صباح ، ابق معنا ولا تكن قاضياً قاسياً على ما يقترف القدر من اغلاط » ...
بقي صامتاً فدقّ قلبي هلعاً ...
« صباح ، اتذكر يوم كنا صغاراً وصعدنا الجبل ؟ سويا تتساعد على الصعود ؟ يوم رأينا دودة كبيرة فقفزت انا رعباً وتدحرجت واقعاً ؟ ركعت انت على الارض بجانبي وقلت على مهل لتفهمني كل حرف تقوله وكأنك الكبير وانا الصغير :
