

ليست الغاية من دراسة تراجم اعلامنا رجالاً ونساءً أن نقف عند تيجان الغار والمجد التي ضفروها على رؤوسهم اذ أن هذا العمل يضر بنا أكثر مما ينفع ويعلمنا التفاخر بالاسلاف والتغني بامجادهم والوقوف مكتوفي الايدي لا حول لنا ولا طول .
اما اذا كانت هذه التراجم والسِيَر مهمازاً لنا في حياتنا نقتفي اثار اصحابها ونحذو حذوهم ، ونسبقهم في ميادين النضال ونضفر اكاليل جديدة من المجد والسؤدد ، فحبذا هذه التراجم وبوركت هذه السير .
على ضوء هذه الحقيقه يجب ان ننظر الى هذه الزاوية في صوت المرأة .
هذا ما مجدونا الآن الى كتابة كلمة عن زنوبيا ملكة تدمر اعظم واجمل واغنى مدينة في الشرق في القرن الثالث للميلاد .
كانت هذه الملكة العظيمة مثقفة في العلوم تحسن اللغات اللاتينية واليونانية والقبطية والسريانية عدا العربية . وقد كانت تعطف على رجال العلم والادب وتشجعهم وترعاهم .
والشائع انها كانت ترافق زوجها اذينه ملك تدمر في غزواته وحروبه ، وإن نجاحه في محاربته الفرس يعود في الدرجة الاولى لحكمتها ودرايتها .
وعندما توفي زوجها في سنة ٢٦٧ م اعتلت العرش وتسلمت دفة الحكم واطلق عليها لقب « ملكة الشرق » .
وكانت طموحة ترمي الى توسيع ملكها لتجعل من تدمر امبراطورية . فتغلبت على سوريا ومصر وشمالي شبه الجزيرة العربية ووصلت جيوشها شمالاً
الى انقرة في تركيا الا ان الدهر قلب لها ظهر المجن اذ شهر عليها اورليان ذلك العسكري المحنّك حرباً شعواء . وبعد ان ربح معركة انطاكية واماسا حاصرها في تدمر ، وقد دافعت عن نفسها وبلادها ببطولة وشجاعة نادرتين وعندما علمت بان المدينة لا بد ان تسلّم غادرت عاصمة ملكها متجهة نحو الشرق ولكن قبض عليها بينما كانت تحاول قطع الفرات باحدى السفن واخذت اسيرة في سنة
٢٧٢ م . لم يقتلها الامبراطور الروماني ولكنه اخذها الى رومة وبقيت تحت رحمة الرومان تعاني من مرارة الاسر اشكالاً والواناً .
من زنوبيا نتعلم محبة المعرفة والعلم ونشرهما ورعايتهما والدراية والحكمة والطموح والعمل وهذه كلها فضائل تتجلى بها النساء كالرجال . واخيراً الصبر على المكاره وربما كان رأس هذه الفضائل .