ماتت جائعة ، كيلا تحمل على كاهلها مئة جميل . ولا تكون صنيعة معروف او إحسان .
كانت ابية انوفاً ، وكانت كريمة مضيافة . حتى في ساعات محنتها ، فخنّت على البؤساء ، وجادت - وقد نضب معين زادها - بما يحفظ لها الرمق ، واحسنت بما يمسك عليها الحياة .
تعهدت كهلاً بائساً في ايامها الاولى ، وماتت عن يتيم صغير ، لا يمت اليها بقرابة او نسب . كانت ترعاه وتنفق عليه في ايامها الاخيرة .
كانت تقيّة ، فقيرة اليد ، غنية القلب ، عزيزة في نفسها ، ذليلة في وضعها .
عرفتها وانا طفلة تدخل بعض البيوت لتخدم بها وتستحصل على اجرتها دراهم معدودات تتقبلها شاكرة داعية بالخير . وكانت آنذاك في ذروة قواها وصباها .
وكانت ترفض مشاركة مخدوميها في اطعمتهم مهما ألحوا وتشددوا بالالحاح . فهي دائماً تجد الاعذار التي تقدمها لتتخلص بإباء من دعواتهم ، مفضلة شظف العيش عندها على ما في ايدي هؤلاء الناس من لذيذ المآكل . وكانوا جميعاً يعجبون بكبر نفسها . ويجلونها ويتحاشون ايذاءها .
كانت تختمر دائماً بخمار شفيف ابيض ، وتلبس لباساً بسيطاً خفيفاً حتى في اشد ايام الشتاء برداً وزمهريراً .
لا اذكر اني رأيتها مرة تتزين كما تتزين النساء . فكأنها كانت تجد في ذلك صغاراً تأنفه وتزدريه . الا حين كانت ترجع من الحج ، فتلبس « الحلعة » التي كانت امي تحضرها لها . تلبسها اياماً قليلة ، ثم ترجع الى ثيابها الخفيفة ، كما ترجع الى شغلها وحركتها الدائمة .
كانت ، اول عهدي بها ، متزوجة رجلاً متجولاً يبيع السفوف او اللفيتية . يحمل حلواه على رأسه في طبق متسع من نحاس مبيض . ويمسك بيده طاولة صغيرة مرتفعة على ثلاث قوائم ، يضع عليها الطبق كلما دنا منه شار ، او كلما تعب من المطاف ، واراد ان يقف ليستريح في منعطق زقاق ، او لفتة طريق . ولكنها لم تنجب له ولداً فطلقها .
لم تكن البيوت التي تدخلها إلا بيوت بعض الاسر التي تحبها ، ولعلها اقتصرت أخيراً على اسرتي لما كانت تكن في نفسها من محبة لامي واخوتي .
كان بائعو الحمص الاخضر - في مواسمه - يرسلون لها منه احمالاً ضخمة . تضعها في زاوية من فناء مسكنها . ثم تبدأ بحزمه حزمات صغيرة ، تربطها بالياف خاصة ، حتى تتكدس هذه الحزمات امامها ، فيأتي البائعون ويأخذونها في جوالق خاصة لشيّها في الافران ، ثم بيعها ، محمولة على رؤوسهم . وهي مصفوفة منظمة على اطباق من الخشب او القش . فهم يتجولون في الطرقات ينادون :
- ام قليباني خضرا .
معلنين بذلك عن بضاعتهم اللذيذة التي يحبها الكبار كما يحبها الصغار .
وكان للحاجة حنيفة اعمال غير هذه ايضاً . فكان بعضهم يرسل لها عدول الفستق الحلبي ، فتنقع الفستق في مراجل كبيرة بالماء ، ثم تدقه في الجرن لتزيل عنه قشرته الحمراء اليابسة ، ثم تنقيه منها وتنشره على سطح دارنا حتى ينشف . فتجمعه ، وتشققه حبة فحبة ، بواسطة كسارة الفستق بخفة غريبة . ثم تضعه في جوالق كبيرة ليحمله اصحابه للتمليح والتحميص والبيع .
ولم يكن بائعو الفستق ليرسلوا حبهم هذا الغالي الا الى ايد حريصة امينة شريفة . ويعلم الله ، اني على كثرة ما وقفت
( البقية على الصفحة ٣٥ )



