يسكن . فالاول ثم الثاني اتى كل منهما
بدوره ، وعاش معها في تلك الغرفة
الجانبية ، التي احبها ولم تشأ ان تتركها ،
او تبتعد عنها طول حياتها .
ولقد كان يعجبك ان تجلس بهذه
الغرفة ، او امامها على تلك المنظرة
الصغيرة ، لنظافتهما ، فكان يحلو لك ان
تشرب عندها القهوة بعد ان تجلسك على
حشيتين صغيرتين نظيفتين ، وتضع وراءك متكأ مريحاً .
كان في احدى زوايا ذلك الفناء
المتسع ، عارضة خشبية مدت على
ركاستين خشبيتين كسير عليه حشية
رثة ينام عليه رجل كهل يدعى : خليلو .
من هو خليلو هذا ؟ ومن اين اتى ؟
وما هو اصله ؟
لا احد يستطيع ان يجيب اجابة
اكيدة .
انما كل الناس يرثون لحال خليلو .
كان كهلاً ، محدودب الظهر ،
ملتحياً ، يلبس ثياباً رثة بالية ، ويضع
على رأسه قلنسوة مقيرة حال لونها .
انه يتكلم كما يتكلم الطفل في اوائل
سنيه . ولا يمكنه ان يفهمك مراده إلا
بكل صعوبة . ولكن له نظرات غريبة
احياناً كأن بئراً عميقة من الاسرار
والالغاز ، بل ومن الفهم والذكاء ايضاً
تنعكس معانيها في تلك النظرات ولكنه
في معظم اوقاته ينظر اليك كأنه ضائع
الفكر ، او كأنه طفل ساذج .
فمن قائل انه اصيب بمرض عضال ،
اثر مصيبة عظيمة طرأت عليه ، فنهض
من هذا المرض فاقد الذاكرة ، لا
يعرف من امره شيئاً . فمشى على غير
وعي ، حتى وصل الى بيروت فسكنها .
ومن قائل انه من صيدا ، وانه نام
على اثر حزن عظيم ، فنهض في الصباح
وهو على هذه الحال .
وغيره من يقول انه من احدى
قرى الجبل البعيدة وان له امرأة
واولاداً ، وانه كان ميسوراً ذا مال ،
فترك اولاده وماله بسبب لا يبعد عن
امرأته .
وقالوا ... وقالوا ... وكل ما
قالوا لم يكن ليسهل على احد ان
يؤكده .
فهو لا يستطيع ان يتكلم . واحياناً
كثيرة عندما كانوا يلحفون عليه بالاسئلة ،

٣٦
