يربد وجهه ، وتجحظ عيناه ، ويعلو الزبد شدقيه ، ويصوت اصواتاً تخيف من يسأله احياناً وتجزئه في اكثر الاحيان ، فيتركونه مشفقين عليه ، رائين له ، لاسيما حينما تأتيهم الحاجة غضبى توبخهم صارخة بهم :
- انكم لا تخافون الله .لا شك في ان هذا الرجل لم يخلق على هذه الحال ، بل ان الحوادث قد تلاعبت به فاصبح تائهاً في لجة الحياة غارقاً في ظلامها ، ضائعاً في دروبها .
ومع ذلك فانك تجده محباً وفياً صادقاً اميناً . يلاعب الاولاد بحنو ويخدم الجيران باخلاص ، فيحضر لهم من السوق لوازم اكلهم من لحم وخضار ، ولكن كان يجب على من يريد ان يرسله لشراء حاجة ما ، ان يكتب له ما يريد على ورقة ، فيأخذها الى البائع فيقرأ البائع ثم يعطيه المراد .
وكثيراً ما كان اولاد الازقة يتبعونه صائحين به بعبارات منغمة .
اما هو فكان يحب الصغار فلا يؤذيهم . وهم كذلك يحبونه فلا يؤذونه . ما رأيته قط ضاحكاً الا مع طفل ، ولكني رأيته كثيراً ما يكون جامداً جالساً على طرف سريره ، وعيناه معلقتان في المجهول البعيد .
ومراراً تساءلت ، أتراه يبكي وهو يمسح عينيه وانفه بكفه ؟
وبقيت الحاجة حنيفة توبخ من يتعرض له بسوء . فهي تحنو عليه رفيقة به ، فتغسل له ثيابه وغطاء سريره ، وانها تسخن له الماء ، وتدعوه الى ان يستحم من آن لآخر . وتعزم عليه ليأكلن من طعامها احياناً . وتحضر له كل ما يطلب
منها بلا تذمر .
حتى مرت احدى الليالي ، فنام خليلو ولم ينهض . نام ذاك النوم العميق فانسدل ستار صفيق على قصة مؤثرة لم يعرف اولها .
فتساءل الناس : عن امه وزوجه وبنيه يبكون المشرد المسكين المنكوب ؟ واشفقوا جميعهم عليه . ولكن الحاجة بكته وندبته كما لو كانت هي امه مع انه كان يكبرها بسنين .
وظلت تذكر من حوادثه ما كان يذهلها ، ويحقق لها طيب ارومته ، ويؤكد بانه كان سيداً مكرماً منعماً .
★مر زمن تركنا بعده نحن مسكننا الى مسكن آخر . فبعدت عنا الحاجة حنيفة . ولشد ما ألح عليها والداي لتنتقل الى حيث نسكن ، فأبت ، ولكنها ظلت تزورنا وكثيراً ما سمعت والدتي تلح عليها بالبقاء عندنا . ولكنها كانت ترفض شاكرة داعية لنا بالخير .
فكأن في غرفتها كنزاً تقوم على حراسته ولا تستطيع مفارقته ليلة واحدة . او كأن هذه الغرفة حرم تشدها اليه روابط خفية مقدسة .
ومرت سنون ، ندر بعدها ان نراها . لقد هرمت ، وساء حالها . ولم يعد لها عمل .
وقد اخذت تبيع ترمساً في زاوية من زوايا الطريق ، تحضره بنفسها وتبيعه لاولاد الازقة .
حتى كان يوم اتى زوجي يقول :
- لقد حضرت الى المدرسة اليوم ، سيدة عزوم ، ومعها طفل ، تريد ان تدخله المدرسة ليتعلم . وقد سألتني عنك ،وقالت ، ان الولد يتيم ، ماتت امه عنه وهو ابن شهور ، وابوه عائل قليل الشغل ، قليل الرزق ، كثير العيال ، وانها هي التي ترعى هذا الطفل وتنفق عليه . لذلك فقد ادخلته المدرسة مجاناً ، وانا اعجب لامرأة عجوز ، رقيقة الحال ، تكفل يتيماً ، وهي بالرعاية اولى .
- هل عرفت اسم هذه السيدة التي تعرفني ؟- الحاجة ...- الحاجة حنيفة ؟- نعم وكيف عرفت ؟اخذت الحاجة تزورني بعد ذلك بين حين وآخر ، حاملة معها الزهور والخبز المرقوق . وذلك لترد جميلاً بجميل .
لله هذه النفس ما اعفها ! كنت حين تأتيني بهديتها أحار في امري ، فهي فقيرة يجب ان لا آخذ منها ما احرمها بأخذه زادها .
وهذه النفس المترفعة يجب ان لا اجرح كبرياءها برفض هديتها .
وما كان احلاها وهي تخبيء ما يقدم لها لتعطيه لليتيم الصغير .
ومر زمن ، طرق بعده ربيبها باب الدار ، يقول ، وهو بحالة يرثى لها :
- انا ابن الحاجة .- واين الحاجة ؟- ماتت .- ومتى ماتت ؟- منذ شهر .رحمك الله ! كما رحمت كهلاً غريباً شقياً ، وكفلت طفلاً يتيماً محروماً ، فاعطيتهما ما منعت نفسك وحرمت ذاتك . بل منحتهما من تلك النفس ، ومن هذه الذات .
