مع فجر نيسان يعود الربيع ، فتخضوضر المروج والتلال موشاة بالحمرة والصفرة ـ متعة النظر علىمدّ النظر ... ويشيع الدفء في الجو ، فينطلق الناس في جذلهم والبهجة ، الى العراء في احضان امهمالطبيعة بعد ان هجروها شهوراً هرباً من قرّ الشتاء وزمهريره . ويا طالما استقبلت الطبيعة ابناءهاـ على عقوقهم ـ بالوجه المشرق والزغاريد ، مفعمة قلوبهم بالفرح ، وبالامل الاخضر النديّ .
وكان من عادة الربيع ، اذ يزورنا مع نيسان ، ان يجيء الهوينا مثقلاً بالنعم والخيرات ، ولاعهد لنا به قبل اليوم مجرماً غدّاراً ، يزلزل في احشاء الارض زلزاله ، فتميد الجبال وترتعد ويطبقشيء على شيء وتمسي العمارات خراباً تطوي تحت انقاضها الجسوم مهشّمة مخنوقة ...
ما عهدنا بالربيع ـ هذا الوادع الجميل ـ يضمر لنا الشر الاسود يُزهق الارواح ، ويشرّد ،بوحشية رهيبة ، ألوف الابرياء في استسلام وضعف الاطفال والنساء والشيوخ ـ يستدرّون رحمة السماءوعطف بني الانسان من بطش الطبيعة ـ ويا لجور الطبيعة ساعة تبطش ! تترك في كل قلب غصة وعلىكل وجنة دمعة !
اذا كانت النكبات القومية محكّ المروءات ، فلم تنضب والحمد لله مروءاتنا . وفي لهفة الناس ،من البعد والقرب ، واندفاعهم للنجدة ، البرهانُ الناصع على ان الناس للناس ما زالوا اخواناً واعواناً .وعلى ان الكوارث تشفي جراحات القلوب المزمنة وتجمع ما تنافر منها في حزمة واحدة ، يحنو بعضهاعلى بعض في مطلق محبة خيّرة ...
واذا كانت النكبات محكّ الرجال ، لم نعدم في مجموعنا الرجال الرجال ، في الاقدام والنخوةوسخاء الكف .
واذا كانت المرأة في صميمها مواطنة غيورة واعية ، فما احراها هنا بالتدليل العملي على انها فيمجابهة الخطوب صنوٌ للرجل .. أليس حقل التضحية والمواساة حقلها بالذات ؟ لها الى القلب المصدّع سبيلهاالانثوي الخاص الى البرء ، ولها الى الأسَر المنكوبة سبيلها الخاص لجمع الشمل واعادة البناء ، تعالجالامور بوحي من قلبها الكبير ، لا تشحّ فيه الرحمة ، ولا يردعها عن غايتها الانسانية رادع ؟
تباركت المرأة المجالدة ، اي ايمان عميق ايمانها ، لاسيما متى خلص جوهرها وتنقى معدنها ... ربنالا تحرمنا ـ سألناك ـ المواطنة الغيورة الفاضلة .
ويا ايها الربيع الغضوب ، خفف من غلوائك ، وألثم جراح قلوبنا ، وأشِع فيها العزاءوالامان .


