حدثني الاستاذ يوسف الحويك قال:
- عرفت «مي» عن طريق امين الريحاني، عام ١٩٣٨، رحمها الله. كانت تسكن بيتاً صغيراً في رأس بيروت وقد غادرت لتوّها مستشفى ربيز بمسعى الاصدقاء الغيورين وعلى رأسهم امين.
جاءني صديقي امين ذات ضحىً وانا في محل شغلي بفرن الشباك وبادرني الى القول من الخارج:
- اغسل يديك حالاً وهيا معي. مي تريد ان تراك!
- ولكنني .... لا اعرف السيدة.
- بل تعرفها. هي تقول انها تعرفك!
- وانا اقول واصرّ، بانني لا اعرفها! ..
- امشِ معي اذن لنرى من الكذاب انت ام هي!!.
وبين الضحك واللعب ساقني امين الى الترام «وعرّمنا»
نحن الاثنين في الدرجة الاولى! وما لبث الترام ان وصل باب ادريس حتى كانت حافلاته قد اكتظت بالناس يتدافعون بالمناكب والاكتاف وامين الى جانبي بادي العصبية. فاومأت الى زمرة من الشبان الجامعيين ان هذا الاستاذ امين الريحاني!! وللحال خفّ الضغط عنا، وهمس امين في اذني: - «ارأيت
كيف يبقى اهل الفن والادب معدمين؟ بلا ولدته يجب ان يكون لنا سيارة خصوصية يا يوسف. كيف يا ترى السبيل الى ذلك؟
فاجبته باللهجة المداعبة نفسها:
- دلّيتك على الطريقة اكثر من مرة ... نفتح محلاً «للريحاني والحويك» على باب ادريس ... نبيع فيه «ماء ... مصلايه!!»
في مثل هذه الاحاديث كنا نتفكه الى ان وصلنا البيت وكانت مي قد آلت على نفسها الاّ تستقبل امين الا مصحوباً بي..
دخلنا عليها نائمة وقد رفعت الغطاء الابيض حتى عينيها. الله! اية طاقة هائلة من الذكاء الوقاد والالم المكبوت والكبرياء الجريح كانت تشعّ وتصطرع بصمت في تينك العينين السوداوين!
كان امين اشجعنا على الكلام - «هذا يوسف الحويك بلحمه وشحمه فلنباشر يا مي في تصفية الحساب والكشف عن التناقض بين ادعائكما».
وشعرت ان قد جاء دوري فوجهت سؤالي الى مي:
- تقولين يا سيدتي انك تعرفينني ... اما انا فحائر، لان ذاكرتي اقوى من ان تنسى مناسبة هامة كالتعرف الى شخصك!


