تنهدت الصغيرة عليّا تنهدةً عميقة ، وقد جلست قرب المدفأة ، على الأرض ، تشدّ بيديها الصغيرتين المثلجتين أكمام ثوبها الربيعي .. علّها ترغمه على الالتصاق بجسدها المزرقّ ، وقد تجمدت دماء عروقه ... ووضعت يدها المنتبجة على فمها تودّ خنق سعال جافٍّ يجرّح صدرها الصغير تجريحاً مؤلماً ...
انتبهت من غفلتي وانا مستغرقة في قراءة كتاب عن حياة بيرون على هذا الصوت الجريح الذبيح . وألفيتني أتأمل هذه الصغيرة بشغف ، كأنني لم أرها تمر كل يوم من امامي حافية ، تخاف رجلاها المثلمتان ان تدوسا الارض فتؤذياها ... كأنني لم أرها الا هذه اللحظة . لم تسمح لنفسها بالجلوس الا جاثية على ركبتيها ، كأنه قدّر عليها الجنو ابداً لتطلب الرحمة والحنو من السماء ، اذ انّى للأرض القاسية الصماء ان ترحم طفولتها البائسة .. ولشدّ ما سحرتني هاتان العينان النجلاوان ، الغائمتان أبداً تتطلعان الى الاشياء بعمق ، كأنها تودان حلّ ألغاز هذه الدنيا الملفعة امامها بألف ألف ستار من الظلمة الحالكة التي ، لا يلبث ان يقع منها ستار حتى تتلبسها أوشحة سوداء جديدة .. او كأنها تحلمان بمستقبل جديد تتراقص من خلال صحراء حياتها واحة الآمال المخضوضرة . هذا الوجه الشاحب يتكلم الالم الباكي في كل خلية من خلاياه . وهذا الشعر الحالك الطويل المتراخي على وجهها
