
التحديق في الارض كأنها عجوز شمطاء حملها الدهر من مصائبه وويلاته بقدر عمرها ...
.. وسألتها :
إن سعالك جافّ ، وصدرك يجرّ خريراً يا صغيرتي ؛ هل تبردين ؟
واحسست كأن الكلمة سبقتها ، فقد ضاق بها صدرها الصغير .. الكبير ..
أجل .. إني أنام بلحاف يفترش الارض المصطكة ، وهو لي بمثابة فراش ولحاف . ألتف به طوال الليل البارد لفاً . ولا شك في ان البرد يتسرب اليّ من كل جانب الا اني احرس الباب ...
وسألتها أمي : اين صار اخوك ؟ وهل سمعت عنه شيئاً جديداً ؟ ...
فانتفضت الصغيرة وقالت : قيل لي البارحة انه خرج من السجن . وبصوت كأنه آت من الاعماق أردفت قائلة : اما اليوم ، فقد اخبروني انه لم يزل هنالك ...
وبلعت الصغيرة بريقها الجاف ، واطبقت فمها على غصة خنقت الكلمات فيه خنقاً اخرس .. وجالت في عينيها الحالمتين دمعة تركتها تنهمر على وجنتيها ، وكأنها خبيرة بالدرب لا تحتاج الى من يدلها ... وانسابت على وجهها انسياب الموسيقى الحزينة في القلوب المتألمة ..
وكأني بها شعرت بما يمكن ان ينتظرها من توبيخ وتأنيب وربما ضرب ان هي تأخرت اكثر .. فلمّت ثوبها عن الارض ومشت مشية يتيمة تجر اذيال الانكسار ، وتحمل مشيتها كل معاني يتمها الأبكم الحزين ..
.. وجلست الصغيرة على الارض الموحلة تصيخ بصمت الى اصوات الندب ،
وعويل النساء يأتي مع الأثير من القرية المجاورة . وتردد بمرارة وأسى لن يعود اخي ! لن يعود ! .
انا وحدي ! ... وحدي في هذا العالم المجنون ! .. يا ربي ...
كان اخوها اول وآخر من عرفت من الاهل .. فتحت عينيها على الدنيا فلم تجد حولها من يحدب عليها ويعطف غيره .. من يشعرها بمعنى الحنوّ والمحبة والعطف ..
هنالك .. في كوخ حقير يتيم نشأت مع هذا الاخ الذي يكبرها بنحو ثلاث سنوات . مات ابوها ولما تبلغ الثانية من عمرها بعد ، ثم ما لبثت الأم ان مرضت وماتت .. وخلفتها وراءها يعبان من كأس الشقاء حتى الثمالة ولا يفيقان من سكرة الالم . كان هذا الاخ هو الاب والام والاخت .. بل هو الوجود جمعاً في أخ ..
وذهب الصغير الذي لما يبلغ الثانية عشرة بعد ، ليعمل علّه يحصل بعض قوته وقوت اخته ، ولكن ، اين يترك هذه الاخت الصغيرة ؟ وكيف يمكنها ان تعيش ؟ ومن يرعاها ؟ فارسلها الى بيت من بيوت القرية المجاورة لتبقى عند اصحابه فتأكل وتأوي . وسار هو الى المدينة يصارع العيش فيصرعه ويسبقه .. يأكل يوماً ليصوم اياماً . ليطوي بطنه على الجوع طيات .. ينام تحت احد الوفارف ساعة ليستولي عليه النعاس في الشارع العاري ساعات ..
مضت سنوات .. وعاد الشاب الصغير الى القرية ذات يوم . فقد اشتاق اخته التي تركها ولما يعلم عنها شيئاً منذ
ان غادر القرية .. وحدثته نفسه ان يأتي بأخته الى المدينة . فيستخدمها احد الناس وتكون على الاقل بقربه يتسنى له رؤيتها كلما سنحت له الفرصة . ويسر بلها بدفق من عطف المحروم على المحروم فضلاً عن ان القرية ضيقة ، ومجال العيش فيها صعب ايما صعوبة وعلى الاخص لمن ليس له ارض يتملكها ويجني خيرها ..
وخرج الشاب الحدث فؤاد برفقة احد اصحابه الى الغابة يستعيد ذكرى طفولته المشرّدة في هذه البقعة التي يعزّ عليه فراقها . واخذ يتأمل عن بعد بحسرة المقبرة التي احسّ بشعور مبهم يشده اليها فوصلها واخذ يبكي بكاء مرّاً . هنا منذ بضعة اعوام رقد ابوه ، ورقدت امه التي احبها بكل جوارحه .
وانضمه رفيقه الذي لحق به عن الارض مخففاً من أساه بكلمات لينة رقيقة ..
وسار الاثنان بين الحقول ، مجاوران العصافير المذعورة متنقلة من شجرة الى اخرى .. ويستمعان ألحان طبيعة الخريف الباكية بصمت ...
كان الرفيق يحمل بندقية فتناول فؤاد البندقية واستمر وصاحبه يطويان الجلالي طياً هادئاً ..
.. وفجأة ردّد الوادي صدى طلق ناري اعقبه صراخ استغاثة حشرج في صدر الرفيق واختنق ..
ووقف فؤاد لحظة في مكانه وقد سمّرت قدماه ، لا يكاد يصدق ما تراه عيناه . وصرخ صرخة ذعر مجنونة ارتعدت لها فرائص كل من كان في الوادي .. وحملق فؤاد برفيقه وكأنما الوجود في نظره قد توقف عن الحركة ..