





كان ذلك في احد ايام الربيع ، حين خرج قطيع المعز الى الحقل ليرعى ؛ وفي طريق عودته مساء ، تأخرت عنزة عجوز عن موكب رفاقها ، لقد انهك قواها التعب والعجز ، واضاعت سبيلها ، فأوت الى كهف قريب ، ما كادت تطأ ارضه حتى ابصرت اسداً جاثماً في احدى زواياه ، فذعرت لمنظره ، ووقفت تفكر في حيلة تخلصها من هذا الموت الاكيد وسرعان ما خطرت لها فكرة فقالت في نفسها : « لو جربت ان اهرب ، سوف يلحق بي الاسد ويمزقني تمزيقاً ، فلا بد لي اذن من التظاهر بالشجاعة ، فقد تمكنني من الخلاص ...
وهكذا سارت الى الاسد دون ان تبدي الرعب الذي خالج صدرها ، وهز كيانها ، ونظر اليها ملك الوحوش ، وحدّق فيها طويلاً ، وهو لا يدري ماذا سيكون من امر هذه العنزة الوقحة ، التي تجرأت على التصرف بما لم تسبقها اليه واحدة من بنات جنسها .. ولكنه عاد وقال في نفسه : لا يمكن ان يكون هذا الحيوان عنزة . لا بد انه مخلوق غريب ، لم يسبق لي ان رأيته قط في حياتي ... ثم تقدم منها وسألها :
- من انت ؟
- « اني ملكة المعز ، لقد نذرت نفسي للاله « شيفا » واقسمت له ، حين سجدت امام عرشه ، بان افترس ، باسمه ، مئة نمر ، وعشرين فيلاً ، وعشرة اسود . وقد افترست حتى الآن جميع هؤلاء ، وبقي امامي الاسود فقط !.. !.
اصيب الأسد بما يشبه الحبل ، حين سمع هذا الكلام ، وفكر كيف يمكنه الخلاص من هذا المأزق الحرج ... لكنه تظاهر بانه يود غسل وجهه عند حافة النهر ؛ وما كاد يخطو باب الكهف ، حتى صادفه ابن آوى خبيث ، لاحظ الرعب على وجه الملك ، واقترب يسأله عن حاله ، وما ألمّ به ، فسرد الأسد باختصار ما جرى له مع العنزة ، وكان الحيوان الصغير ذكياً ، فلم يصدق هذه اللعبة ، وعرف ان الحيوان الغريب ، ليس سوى عنزة عجوز ، نجحت في حبك
الحيلة على الملك ، حتى تنجو بنفسها من قبضته .. وهكذا اقنع الاسد بالعودة الى الكهف ، ليفترس العنزة ، وسمع الاخير نصيحة ابن آوى ، فعاد بصحبته الى الكهف ، وابصرتها العنزة ، قادمين من بعيد ، فادركت ما حدث ، ولكنها استجمعت كل ذرة من شجاعتها وتظاهرت بالصمود .. ثم تقدمت منها وقالت مخاطبة ابن آوى : « أيهذه الطريقة تنفذ وصيتي وتطبع اوامري ؟. لقد اوفدتك لتحضر لي عشرة اسود ، فعدت لي بأسد واحد فقط ... سوف اسلخ جلدك على هذا الاهمال !.. ولما سمع الاسد هذا الخطاب فكر ان ابن آوى خدعه ، وجرّه الى هذا المكان ليورده سبيل الهلاك .. وفي ثورته انقض على الحيوان المصعوق ، وهشّمه ثم انطلق هارباً بين الغابات . وفي تلك الاثناء كانت العنزة ، تنسل من الكهف بحذر ، وعلى ثغرها ابتسامة الظفر .. والغلبة ...