
قبل اعوام ، وقفت في احدى زوايا المدينة الكبيرة ، وكانت لاول مرة تهبطها ، واوقفت معها والدتها ، ثم اشارت باصبعها الى الجسد المنبطح على عرض الرصيف : امي لماذا ينام هذا الرجل هنا ؟ ..
ولا تزال حتى الآن تذكر القدمين المشققتين ، والسروال البالي ، والحزام العريض فوق منكبيه ... وجاءها الجواب ... انه عتال ... يستريح يا ابنتي ... وتساءلت في اليوم التالي ، وهي تلمح زميلاً له ، وقد تربّع على منكبيه حمل كالجبل : ربي ، ألا يتعب ؟ . مسكين ! كيف يحمل كل هذا ؟ ...
وبالامس كانت تمر في الشارع ، وقد الفت هذه المشاهد ، تطالعها في كل صوب ، وعاودها التساؤل الملحاح ، حين لمحت على مسافة خطوات ، رجلاً كأنه قطعة من جبل ، بقامته الفارعة ، ووجهه الوردي ، ولم تطل النظر كثيراً قبل ان تلمح الحزام المتدلي على كتفه ، وتبصر الرجلين الحافيتين ، وتذكرت قول افلاطون في جمهوريته ، وعادت تسائل نفسها : هل حقاً ان هناك طبقة من الناس خلقت للعمل الجسدي ، ولتعيش عيش السوام ؟
واحست بوخزات تدمي قلبها ؛ سوف يبقى هذا القلب يتلوى ، طالما ان هذه المشاهد منثورة كيفما جالت الطرف ... وتتساءل صغيرة الامس :
لماذا نحمل الناس اثقالنا ؟ لماذا نطرح على كاهلهم احمالنا ؟ لماذا نسخر المساكين مقابل عدة قروش لان يصبحوا عبيداً لنا ؟ أو لم ينقض عصر العبودية ؟ .. أو
لا يكفي انسان هذا الزمن ما ابدعت يداه من معجزات آلية سخرها كلها لخدمته ، حتى يسخر ايضاً ... اخاه الانسان ؟ ...

