بحلول الاحد الثاني من ايار يعاودنا « يوم الامهات » ـ رمز اعتراف الثمرة بخيرات الشجرة الام .
انه يوم « الامومة » بكل ما في الامومة من محبة وتضحية وعطاء . اوليست الام رمزاً مجسّداً لجميع عناصر الخير والحق والجمال ، تحرق حيويتها ونضارة شبابها قرباناً لعيني صغير ، جاور احشاءها فترة من زمن ، ليصبح في كيانها كل شيء ، وتُمسى هي لا شيء ؟ !
وهل محبة اعظم من محبة الام لاولادها ؟ وهل عطاء يجود ولا يقف عند حد ، كعطاء الام ، في جميع مراحل حياتها ؟
رُبَّ سائل : وما العبرة من تكريس يوم من كل عام ، نخصّ به الامهات بلفتة كريمة من الاعتراف بالفضل ، وبحفنة دافئة من المحبة ؟
لا جدال في ان يوم الامهات هو من بِدَع هذا العصر ، ونشأ عن حاجة . ذلك ان التربية الحديثة تميل الى اعطاء الولد وفراً من الحرية والفرص لتنمية شخصيته واستقلاله الذاتي . وهذه الفلسفة جنحت الى اعتبار الوالدين ، ولاسيما الامهات ، في حكم الواقع ... ورويداً رويداً تضاءلت هالة الاجلال والتكريم التي كانت في الماضي فريضة صارمة يؤديها الاولاد خاضعين ... واحدث هذا الانقلاب فراغاً دفعت الام اكبر قسط من ثمنه ... وبالتالي جاء يوم الامهات « الترضية » المعنوية لهذا الفراغ .
قلت ان يوم الامهات من بِدَع هذا العصر ، وانها لبدعة لطيفة يحسن بنا اقتباسها واشاعتها في اوساطنا ، وتعميم فكرتها بكل ما تحمل من بساطة وادعة ... وعمق رفيق !
واذا كان لنا ان نقسم الناس بين آخذٍ ومُعطٍ ، كان الوالدون حتماً المعطين والاولاد حتماً الآخذين ... هي سُنّة الكون ، تقولون . اجل ، اجيبكم ، انها لكذلك . انما اليست متعة شيقة ان نقلب الادوار ، يوماً واحداً كل عام نجعله بمثابة اختبار جميل مفيد ؟ حسب اولادنا ان يتعلموا من هذا اليوم درساً رائعاً ، هو ان للعطاء احياناً ، لذة تفوق لذة الاخذ ، وكم تسمو انسانية الصغير ويتسع افق ادراكه ، اذ يتذوق هذه اللذة ؟؟
كل بدعة جديدة تشق طريقها الى المجتمع ، تعوزها الدعاية ، وانه لواجب مقدس علينا تقريب معنى هذا العيد بالذات الى مفهوم اولادنا ومن يلوذ بنا بوسائل عملية . فكل ام في يومها مدعوّة بفخر الى تقبّل المحبة والعطاء ، وكل ولد مدعوّ بسخاء كفٍ وسخاء قلبٍ الى تذكر هذا اليوم والاحتفاء به .
لقد آن لنا ، كأمة حية تجاري روح العصر ، ان نفي هذه المناسبات الحلوة حقها من الاهتمام . وهل من مقياس للحضارة والرقي الاجتماعي يفضل وقوفنا امام امهاتنا ـ احياء وامواتاً ـ وقفة تخشع وولاء ؟؟



