على التراث الكلاسيكي القيم وترسل وفودها الى جميع انحاء العالم المتمدن لاطلاعه على تحف المسرح الفرنسي الحي .
واذا خرجنا من الكوميدي وجوها الكلاسيكي مفتشين عما يجري في عالم المسرح الحديث وجدنا ان الروح الديني لا يزال ينبوعاً غزيراً تستقي منه فئة لا يستهان بها من ابطال الفكر المسرحي ، ويمكننا ان نقول ان في فرنسا اليوم ادبا كاثوليكياً ومسرحاً كاثوليكياً زعماؤه بول كلودال ( Paul Claudel ) وفرانسوا مورياك ( F. Mauriac ) وغبريال مارسيل ( Gabriel Marcel ) وبرنانوس ( Bernanos ) تتبعهم فئة لا يستهان بها من الناقدين الافذاذ ومن اساتذة الجامعة المفكرين .
ولا يسعنا الا ان نقف قليلاً عند بول كلودال لنقول كلمة فيه لانه في الطليعة يهيمن بشخصيته الجبارة وايمانه الوله ينبوع وحيه الغزير وبنقاوة فنه وصفاء رسالته .
نشأ كلودال في اواخر القرن التاسع عشر في جو فرنسا العلماني - ذلك الجو الذي كان يسيطر عليه تاين ( Taine ) ورينان ( Renan ) بروحهما الاحادية العلمانية وكان الشاب كلودال ملحداً كمعظم رفاقه من الشباب المتعلم في ذلك الحين ويروي حكايته فيقول انه ذهب مرة الى كنيسة نوتردام ( Notre-Dame ) ليتفرج على الطقوس الدينية ويستمع الى الصلوات الترتيلية وحدث له ما يحدث احياناً للملحدين وهو ان حلت النعمة فجأة في قلبه وكلمه الرب وسلمه رسالة يحملها الى العالم فخرج كلودال من الكنيسة مؤمناً وانشقت امامه الطريق
بوضوح الى غايته النهائية الا وهي تسخير قلمه لنشر رسالة الكنيسة . وقرأ ريمبو ( Rimbaud ) الشاعر الرمزي العبقري وفيه تنبه ايمانه « إنسانياً » وتتلمذ على يدي ملارميه ( Mallarmé ) ابو الرمزية وفيلسوفها ومنه اخذ درساً بصفاء الفن ونقاوته ؛ ودرس توما الاقويني ففعل فيه هذا الاخير فعلاً « توليدياً » ؛ وانفجر ينبوع ايمانه عن عالم جماله شعر وبشره في مأساة عنيفة مطهرة مفتاحها الله ..
اما المسرحيات التي فاضت عن هذه
الحيوية الروحية فاهمها « البشارة لمريم » و « الحذاء الحريري » و « الرهن » و « المبادلة » و « كريستوف كولومب » ورسالته فيها كلها وحدة العالم مسيحياً هذا العالم الذي انشقت له السماء وفتحت له ابوابها منذ ان جعلت سلماً واصلاً بينه وبينها .
ولعل « البشارة لمريم » ( L'annonce faite à Marie ) من اروع ما جادت به قريحة كلودال في عالم المسرح وقد

