اضطر المعلم سامي ان يتزوج ثانية بعد وفاة شريكة حياته المحبة وزوجته الاولى . وكانت قد تركت له ابنة صغيرة اسمها سامية فتعهدها الوالد بالعناية والمحبة ، وحدب عليها وعني بتربيتها . ولم تكن امرأته الثانية سيئة الخلق او قاسية في معاملتها لسامية شأن باقي زوجات الاباء انما هي الطبيعة البشرية التي جعلت سامية تمجّ روية زوجة ابيها وتكره ان تراها تحل محل امها المتوفاة في ذلك البيت الوادع الهانيء .
وترعرعت سامية وشعور الكراهية لزوجة ابيها يتزايد يوماً بعد يوم ، ومن اجل ذلك اخذت تنظر الى بيت والدها كمكان مظلم قابض ، وفي نظرها سرعان ما اضاع ذلك العش الهانيء اشراقه وبهجته بموت والدتها ، واخذت تتصور ان المكان لا يتسع لوجودها بجانب زوجة ابيها . فقررت ذات يوم ان تهجر البيت ، وتتركه لوالدها وزوجته . فطلعت الى غرفتها واخذت ترتب اغراضها ، وتهيّء حقيبتها ، مصممة ان تهجر بيت والدها ولا تعود اليه ثانية ...
وعرف المعلم سامي بما كانت ابنته عازمة ان تصنع ، فشق عليه ان تفارقه ابنته الوحيدة ، وطلب من زوجته ان
تحاول ردّها عن عزمها . فقالت : لقد حاولت كثيراً ان اتحبّب اليها ، وان افهمها ان في وسعنا ان نعيش معاً بسلام ووئام ، الا انها كانت دوماً تقول إن لا مجال لوجود الاثنتين منا في هذا البيت ... وعلى الاثر صعد الوالد الى غرفة سامية ، واخذ يقنعها بالبقاء ، لكنها ظلت مصمّمة على رأيها ، مصرّة على فكرتها ...
وفيما كانت سامية تنزل على درج الدار اذا بها تشاهد زوجة ابيها تحمل رسماً بيدها . فجذب الرسم انتباهها وكان مفاجأة لها لانه كان رسم والدتها !! وكانت زوجة ابيها قد رسمته بيدها ، وجاءت به لتقدمه لسامية . وتقدمت منها وقالت : اني اقدر لك عظم محبتك لامك ، ومن فرط محبتي لك بذلت جهوداً جبارة لاخراج هذا الرسم لاقدمه لك لتعلقيه في غرفتك ، ويظل يذكرك بوالدتك الراحلة ...
وغمرت موجة من البهجة والانتعاش وجه سامية فخجلت من نفسها وادركت انها كانت مخطئة وان زوجة ابيها لا تضمر لها الا الحب . وللحال تقدمت منها قائلة : ـ سامحيني لانني كنت اسيء الظن بك ! اجابت زوجة ابيها : ورجائي منك ان تبقي معنا !
وكانت دموع الفرح تنساب غزيرة من عيني سامية ، وهي مأخوذة منفعلة من فرط الدهشة والرضى ولكنها هزّت رأسها ايجاباً واحاطت عنق خالتها بذراعين حنونين وقبلتها للمرة الاولى .
وكانت هذه القبلة بداية عهد جديد في الاسرة ، تسوده المحبة والسعادة ...
ينظر الشاب وهو في العشرين من عمره ، الى صبية احلامه ، نظرة الجائع الى مائدة شهية . فهي اذ ذاك ، الرمان والعنب «وهي التفاح والرطب» . واذا ارتفع به الخيال قليلاً ، نظر اليها نظرة التائه الى واحة ندّية ، فهي الماء والخضراء ، وهي الظلال والأنداء ! ثم ينتصف به العمر ، فاذا بشمس الحياة تطل عليه من فوق ، فيلتفت الى ما كان قد ترامى من ظلال وخيالات في مدى احلامه ، فاذا هي ملازمة له وقد اقتربت منه كثيراً ، واذ ذاك تصبح عروس احلامه ، رفيقة عمر وشريكة حياة !
من هنا نرى ، انه كلما تقدمت السن بالمرء ، وجد نفسه عاجزاً عن اتخاذ الخطوة الحازمة ، الى مرمى الحياة العائلية . فهذه صبية طويلة الظل ، وتلك قصيرة ، وهذه دميمة الشكل وتلك جميلة ، وهذه وتلك لا يغنيان من جوع ! ذلك ، لان العقل يرغب بمشاركة القلب في مائدة واحدة . العقل يبحث عن ام ، والقلب يبحث عن زوجة ، وواقع الامر ، ان كليهما يبحثان عن مائدة الحياة ، يبحثان عن الامومة ، فاذا الرجل طفل واذا الطفل رجل ، واذا هما لا يريان سعادة بدون المرأة . مائدة الحياة ونعيمها !