


... استدار البائع السمين على نفسه ، بين صواني المعمول والقطائف والبقلاوة ، وارتج « خداه المهدلان » اذ تظاهر بالنشاط : يعدّل كرسياً هنا ويمسح هنـاك طاولة او ينفض فوطة ويستفهم بصوت عال :
– نصف دزينة شو يا عمو ؟
وبحركة التلميذ المهـذب تراجعت خطوة الى الوراء ورفعت نظري الى الاعلان فوق مدخـل المحل وقرأت ما كتب عليـه بالاحمر الناري : « زنود الست كل صباح » – واجبت الرجل : –
– نصف دزينة « زنود الست » ، من فضلك !
– خالص اليوم يا عمو ... خالص .
لم اكن والحق اتوقع هذا الجواب . لقد صدم في نفسي توقاً الى شيء كان لا يفتأ يهتف في داخـلي . وبعد حين ، وجـدتني اجر قدمي ببطوء ، اهدهد خيبتي بالمنطق : لا ريب اني تأخرت ... ثم اركب التوام الى المدرسة .
تنقصني الشجاعة الادبية احياناً للجهر باشياء حبيبة الى نفسي ، وتختلط حيناً على لساني الاسماء المتقاربة في المعزَّة .. فانا لم اكن واثقاً ، لولا التفاتي الى
الاعلان ، الا تسارع الى فمي اسماء اخر يُزاحم بعضها البعض : كنافة بجبن مثلاً ، كنافة بقشطة ، بلـّورية ، عسملـيّة ، حـــلاوة بجبن ، و ... كنافة بكنافة وقشطة بقشطة ... ولا اعلم ماذا بعد !. كلها ألفاظ دسمة ، وطيبة طيبة ، يسيل لها اللعاب !
كطفل ابن الثلاث سنين منذ عشرة اعوام ، كنت في طرابلس ، مسقط رأسي . ومن احلى ذكريات ذلك العهد النديّ ،
والتي كثيراً ما تعاودني الآن في منامي ، نزهاتنا على « التل » عصارى الآحاد ، انا وابي . آناً امشي لاصقاً بـه ممسكاً باصبعه ، وغالباً يحملني عـلى ذراعه فلا انفـك أعجزه سؤالاً تلو سؤال بلثغة الطفل الثرثار ، حتى يعرّج بي ، برِماً بلجاجتي وحشريتي ، عـلى احد المحلات في ذلك الجوار ، اكتظت فيه الطاولات الرخامية ، صُفَّت حولهـا الكراسي المتشابهة كلها في اللون والشكل .
كانت عيناي عـلى الفور تحطان على ركن جانبي وسيـع عمر « بصدورة » النحاس المخرّمة الحفافي ، الملأى بكل فاخر لذيذ . كنت لا استقر على ركبته مستبشراً جـــذلاً حتى ينتصب امامنا فارس بسترة بيضاء يصب لنا كأسي ماء بارد ... هنا يسألني ابي بهزَّة من رأسه وبغمزة من طرف عينه : ماذا اريد . وفي غمرة حيرتي بين الاطايب المشتهاة
