وتصورت المعلم يعلق على انشاءاتنا بعد تصليحها ، على عادته ، و كيف سيهرج الصف ويضجّ في الضحك ساعــة يقرأ انشائي ! لا ... لا بد من امنية اخرى لائقة ... رحلة كشفية ... فلم سينمائي معين ... كتاب ...... ؟؟ !
وادرت وجهي صوب النافــذة المفتوحة للغرب ، فاذا البحر علـى مدى العين ، في امتداد زرقته المتماوجة الصافية ، جبار هائل في غير بطش وصخب وتراءى لعين بصيرتي زورق صغير يشق صفحة الماء برفـــق ، يحملني الى حيث الصيد الوفير ! وبنهدة عميقة فيها بعض الفرج انكبيت علـى الدفتر استبق الدقائق الباقيات : « امنيتي رحلة صيد في البحر » واثلج قلبي ان وجدت موضوعاً على هذه الطرافة ، ونسيت ضائقتي الى حين . ألست عن حــق هاوياً الصيد بنوعيه البحري والبري ؟ !
دق الجرس وتدفق الطــلاب الى الملعب حلقات حلقات والفيت نفسي امام الباعة المتجولين ... و كنت حتى تلك اللحظة ، ناسياً انني ما ازال بدون ترويقة . ان اخفاقي في مهمتي الصباحية حوّلني دون وعي مني ، رأساً الى المدرسة . وراحت عيناي تتنقلان بين الاطباق العامرة : كعك بسمسم ، بريش ، غريبة ، موز ، كوكا كولا ... ونقدت البائع عشرة قروش ، ورغم مــا بي من جوع وجدت البريش انشف من العادة ولم اتمالك من المقارنــة في سرّي بينه وبين « زنود الست » الملفوفة يا ـ حلاوتها ـ لفاً على القشطة والقطر ... كتلك التي سبقني الزبائن الى غزوها ... وفكرت ،
ربمـا للمرة العاشرة وانا امسح فمي من ذرات السكر : « غداً لن يسبقني احد ! ساعلمهم جميعاً كيف يكون الغدو ! »
لم يكن صوت والدتي الذي ايقظني ، مع الفجر ، انما كان صوت بلبل في الشجرة خلف نافذتي . الله ! من اوحى للبلبل بهذه الاغنية الرقيقة ؟ ربما هي المرة الاولى يزور حينا ! .. وبخمس دقائق كنت اهمُّ بمغادرة الدار ! . اية مفاجأة كانت لامي اذ سمعتني اتعثر بفتح الباب في هذا الوقت المبكر !
في الطريق شعرت انني اطــول واكبر مما كنت بالامس ! ومشيت
ناهض الصدر معجّلًا نحو المحل الجديد قبلة املي .. ومن بعيد لاح لي الاعلان مكتوباً بالاحمر الناري واقبلت على البائع مصبّحاً بصوت جهوري وقــد خالجني شيء من الوجل يشبه مــا اصابني قبيل اطلاقي النار على العصفور ، اول عهدي بالصيد . و كأنّ حضوري سبَّب للبائع بعض الارتباك ، فتلعثم في رد الصباح ، وراح يصلح مـــن شأن محله بعصبية ظاهرة ... وأجلت ناظري في المكان ، فاذا كل شيء على ما تركته بالامس : بضع معمولات وقليل من القطائف والبقلاوة ... التفت الى البائع مستوضحاً مستفهماً ، وقبل ان افتح شفتي للكــلام بادرني الى القول وهو

