مسند كفيه الى بطنه وسادر عينيه :
« بدك زنود الست ؟ .. خالص ياعمو .. خالص ! » .
بلحظة واحـدة انجلت لي الحقيقة المفجعة . وددت معها لو اصرخ في وجه البائع ، لو اصفع خدّه البشع ! كيف يهزأ بالناس - حتى الصغار من الناس ! ما كان اغباني ! محله في الحي ما يزال في دور التأسيس ! قـد يكون في نيته ان يعمل زنود الست في المستقبل لكن ما اظنه بدأ بعـد ... لماذا جبن عن قول الحقيقة امس ... واليوم ؟ هل استخف بسنيّ الثلاث عشرة ، وظنني عابر سبيل لا مهتماً ؟ كيف انهارت كلها الامال الحلوة التي رافقتني في النهار وتوسّدتها في الليل ؟ كيف جرؤ هذا اللعين عـلـى السخرية مني ؟ !
سترضى امي عني اذ اروي لها كيف ضبطت نفسي ولم افه بـكـلام ناقص ! وكيف مشيت رابط الجأش ، «وبرجولة» . كما تريدني دائماً ان اكون . لكن صراعاً عنيفاً صامتاً كان يعول في داخلي .. اية خيبة قاهرة تملكتني ، رغبت معها لو ابكي ... لو اجهش في البكاء - اخيراً انقذني وصول الترام من موقف ضعف كنت ، ولا شك ، نادماً عليه فيما بعد ..
ونظرت الى ساعتي انها السادسة والنصف . فصعدت الترام وقـد برقت في رأسي فكرة جهنمية نزلت عـلـيَّ كالوحي ! حوالي « البرج » محلات كثيرة فيها صنوف الحلوى ، وبكل تأكيد فيها « زنود الست ! .. » وامامي ساعة كاملة لبدء الدروس - ستون دقيقة تكفي وتزيد ... ومرة ثانية احسست انني « رجل » يعالج مشاكله بنفسه ويتغلب
على صعاب الحياة ! وحرصت على ان احسب دراهمي جيداً قبل الدخول الى المحـل لئلا تبدر مني حركة صبيانية امام الزبائن الذين تغص بهم امثال هذه المحلات وجلّهم رجال اعمال ، بعمر ابي واكبر !! ولدى تذكر ابي ، انقبضت نفسي للتوّ ! لو كان ، رحمه الله ، ما يزال حياً لجنّبني هذا الاضطراب والقلق ... وصعّدت زفرة عميقة طردت معها الكآبة في الحال - ليس الوقت وقتها ! واطمأننت الى ليرات ثلاث وبعض قروش ، تشبع شهوتي ..، وشهوة امي واختي ايضاً ؟
انا الآن في طريق عودتي الى البيت .. تتنازعني افكار وافكار ، منها القريب القريب ومنها الغائر في الزمن ... بين يدي
حصة امي واختي من «زنود الست» يتسرَّب دفئها الى اناملي وتدغدغ رائحتها انفي ... وانا منها ، والحمد لله ، في اكتفاء تام ... اشعر ان كل وجودي مرتوٍ قرير ، لولا مـا يعاودني ، في الحين والحين ، من ذكرى حلوة حنونة ، تقرص احساسي الرهيف حتى الوجـع - ذكرى عشتها في طرابلس من عشر سنين ، اذ نحن في ذروة السعد ، وكأنني ، ذات عصر ربيعيّ ، على ركبة ابي ، في زهوة طفولتي الغريرة ، ألتهم ، لا آبهاً ، « زنود الست » مـن يده ، واحداً تلو واحد ، وهو يداعبني بما لم اكن اعيه يومذاك : -
« اخو الديانة ... ذوقك مثل ذوق بيَّك ... لا شيء اطيب مـــن زنود الستات !!! »

