لقد تطورت قضية المعلمين حتى الساعة تطوراً يبشر بأن الحكومة - بعد مماطلة واحجام - أخذت تعي مسؤولياتها . او لمست في بعض فئات الشعب وعياً يرغمها على الوعي .
وأولى هذه المسؤوليات إنصاف المعلم ومساواته بغيره من موظفي البلاد ومستخدميها وثانيها تبني المدارس المجانية وتزويدها بالمساعدة المالية .
لكن قضايا التعليم كثيرة ومعقدة . والمشاكل التي تنتظر الحكومة قد تكون أشدّ تعقداً مما واجهته حتى الآن .
لعل أهم ما يترتب على الحكومة القيام به في المستقبل ان تقف موقف الحكم العادل والعقل المدبّر في فوضى التيارات التي تتجاذب شؤون التعليم عندنا .
لأن البلاد منقسمة الى فئات واحزاب . وفي كل فئة عناصر تطرف ، او رجعية وجمود ، مذهبها العنف ودأبها التحيّز والانانية .
هي العناصر التي يجب مكافحتها والحذر من مجاراة اي منها ، مهما كان لونه او نزعته .
اولئك الذين ينادون بحرية التعليم ويعنون بها حرية بذر التعصب القومي الذي يفرض على الناس نوعا من التصوف العقائدي .
والذين يقصدون بها حرية فتح المدارس التجارية . ومنح شهادات توهم الطلاب انهم أتمّوا علمهم ، والعلم منهم براء .
والذين يعنون بها حرية بعض الدول في بث دعاياتها في المدارس وفرض نفوذها وثقافاتها على الطلاب . او يريدون بها حرية الفئات الانعزالية في تعليم لغاتها وثقافاتها الخاصة ، وانشاء دولة داخل دولة ، وتحقير لغة وثقافة البلاد التي يعيشون في ظلها .
نؤمن بالحرية اذا كانت في ايدي ثقات مخلصين ، راغبين في التعاون ، عاملين للمصلحة العامة ، ولكن كيف لنا ان نؤكد
انهم لا يسيئون استعمال حريتهم ، ما لم يفرض عليهم حد ادنى من القوانين ؟
ومن يحق له المراقبة سوى حكومة تمثل البلاد بجميع عناصرها تمثيلا صحيحا ؟
إننا نؤمن بالحكومة رغم اخطائها وعيوبها ، كما آمنّا بالاستقلال يوم لم نكن قادرين على الاضطلاع بأعبائه . وكما آمنّا بالنظام النيابي رغم عبئنا بقوانينه .
ونؤمن بمدارس الحكومة وان كانت في مستواها الثقافي ما تزال شديدة التأخر والانحطاط .
ونود من صميم نفوسنا تشجيع هذه المدارس رغم الذين يقاومونها لزعمهم انها لا دينية . مع ان جميعها تفسح مجالا للتعليم الديني .
ونأمل من الحكومة ان تكثر منها وتعمل على اصلاحها ورفع مستواها .
لانها بواسطتها تؤمن التعليم الالزامي المجاني لجميع الشعب .
ولأن هذه المدارس هي الوحيدة البعيدة عن تأثير الدعايات من سياسية وطائفية .
إن البلاد رغم انقساماتها لا تخلو من عناصر خيّرة تقدمية بعيدة عن التطرف والمآرب الذاتية ، بعضها في نقابة المعلمين ودوائر التعليم والبعض الآخر في حقول الادارة والمعاهد الثقافية .
وفي وسع الحكومة ان تستفيد من توجيهات هذه العناصر ومن اختصاصها واختبارها .
لكي تستطيع حل مشاكل التعليم بروح العدل وبما تقتضيه مصلحة البلاد .
لأن مصلحة لبنان تقضي بأن يحافظ على سمعته العلمية ويكون رغم صغره مركزاً لكل حركة تقدمية .
لقد انتقلنا في سياستنا من دور الاتكال الى دور الاستقلال رغم الصعوبات الجمّة التي رافقت هذا الانتقال ، أمن الحكمة ان نبقى في نظامنا التعليمي أطفالا واتكاليين ؟
