

تحدثت الينا السيدة نجلا عقراوي في العدد الفائت عن « الكلاسيكية » و« المسيحية » من الدعائم الثلاث للمسرح الفرنسي الحديث . وتعالج اليوم آخر هذه الدعائم « الوجودية الملحدة » على ان تستكمل الجولة الدراسية الشيقة في العدد المقبل .
وترد الوجودية الملحدة على المسيحية بنظام فلسفي لخصه وعممه سارتر في كتاب يدعى : « الوجودية هي انسانية » وقوامه ان :
١ - وجود الانسان سابق لجوهره .
٢ - الانسان مطلق الحرية ( ولعل هذا هو المطلق الوحيد الذي يعترف به سارتر ) يكون نفسه ومصيره كما يشاء .
٣ - الانسان مسؤول كل المسؤولية عن كيانه لانه مكونها الوحيد فالكسول مسؤول عن كسله . والطاغية مسؤول عن طغيانه . والجبان عن جبنه . فلا تقل الظروف لم تخدمني والحظ لم يساعدني فانت تكون جوهرك بيدك كما تشاء .
٤ - لا علاقة للانسان باي مطلق كان لا الله ولا الشيطان ، لا السماء ولا جهنم . الانسان على الارض يعيش مع اخيه الانسان وعلاقته مع باقي البشر تقرر سلوكه ومبادئه وادب نفسه .
٥ - الانسان باعماله : « يعمل الانسان ويسطر وجهه على سطح الارض » لا قداسة ولا شر انما انسانية حرة .
يسخر سارتر قلمه لنشر رسالته ولذا فاننا نجد عناصر فلسفته في مسرحياته المختلفة ؛ وهي في اساسها رد على المسيحية وصرخة صاخبة لنكرانها . ولعل روايته « الشيطان والله » التي مثلت لاول مرة على مسرح انطوان سنة ١٩٥١ من اقوى ما قاله سارتر في تبسيط افكاره . فقد جعل بطل روايته « غوتز » رجلاً شاذاً تقلد الشر سلاحاً له لانه ولد غير شرعي فنشأ ناقماً على الله فتحديا سلطانه فكان قائد جيش يفتح المدن ليدمرها ويسفك الدماء ليشفي الغليل منتقماً من هذا العالم المثالي الذي نبذه ؛ وبقي كذلك متبجحاً بقوة شره الى ان تحداه كاهن مرة وقال له بان الناس جميعاً يعملون الشر والصعب هو عمل الخير فتراهن معه على انه قادر على عمل الخير حين يشاء وشق طريقاً جديداً وتقمص بسربال القداسة سنة كاملة ولكنه وجد في نهايتها ان نتائج اعماله لم تكن افضل من السابق واهتدى اخيراً الى ان الله غير موجود وبالنتيجة ان الشيطان غير موجود ، وان العالم الكامل المثالي غير موجود ، فلا بأس ان يكون ولدا غير شرعي ؛ وان الانسان لوحده هو على وجه الارض يحيا مع اخيه الانسان .. فنزع ثوب القداسة كما كان قد نزع ثوب الشر وعاد انساناً طبيعياً يشارك باقي البشر حياتهم العادية ويعمل عملاً نافعاً لاخيه الانسان . وتتجلى هذه الفكرة - انسانية
الانسان - بوضوح في روايته « الايدي الملطخة » وبطلها هودرير رجل انساني بكل معنى الكلمة يحب البشر ويتعامل معهم على اساس المنفعة المتبادلة ، مهاز عمله حاجة البشر على سطح الارض ؛ لا مبادئ مطلقة من وحي السماوات العلوية او من وسوسة الشياطين الجهنمية. هو زعيم في حزب ديكتاتوري ولكنه مرن يبدل خططه حسب الظروف الواقعية ، يكذب اذا اقتضت الحال ويحور اعماله عند الحاجة الماسة . يقابله شاب « هيغو » متألم معذب لشعوره بمطلق يكبله ويكبح جماح حريته التي ينشدها ، فهو بورجوازي النشأة ثار على بيئته الفنية والتحق بحزب هودرير ولكن اصول تربية راسخة في نفسه لن يتحرر منها . وتتأزم مشكلته عندما يبدل الحزب سياسته ويحتم على هيغو تبديل تفكيره فيثور ويأبى ان يكون مرنا يماشي التيارات السياسية الجديدة ويفضل الموت على تلك المرونة البشرية التي لم يعرفها ويلاقي حتفه مقضياً عليه بحكم تمسكه بذلك المطلق الذي نشأ عليه.
ومن المواضيع الدينية التي يعالجها سارتر في مسرحياته موضوع جهنم وهي في عرفه حكم الانسان على اخيه الانسان ليس الا . ويمثلها بعنف في روايته هيرسكلوس حيث ارقى ثلاثة اشخاص « وجهاً لوجه » في غرفة مغلقة في العالم الآخر ، وهم ينتظرون صنوف العذاب وصرير الاسنان لانهم اجرموا في الارض ويعلمون انهم اجرموا وانهم في طريقهم الى العذاب الابدي . وطال انتظارهم في تلك الغرفة المنفردة المغلقة وها هم يتحدثون ويتعرفون الى
مصيبة الانسان ايمانه بمطلق ما ، اذ كل شيء نسبي .