بعضهم البعض فتنكشف مكنونات نفوسهم وتنجلي حقيقة كل منهم عارية للآخر فيتألمون ويثورون ويريدون الهرب ولكن الى اين ؟ . واخيراً يدركون ان جهنم هي ضمن جدران هذه الغرفة الهادئة الصاخبة - هي حكم الآخر - حكم الانسان على اخيه الانسان ...
اما اللغة التي يستعملها سارتر ليحمّلها افكاره فهي صاخبة ثائرة تعبر عن مرارة ثورته على المسيحية وجيش المؤمنين المنتمين اليها . وسخريته جارحة نافذة فهو اذ يهزأ من الكنيسة والغفرانات التي كانت تباع على يدي الكاهن تأتزل يذكرنا بولتير وعبقريته .
ويجرح شعور المتدينين وينغص عليهم عيشهم ويستفز رد الصحافة الكاثوليكية - فالمعركة حية مستمرة والنشاط الادبي حي مثمر ..
واذا اردنا ان نحيط بهذا النشاط المسرحي في باريس فلا بد لنا ان نلقي نظرة على ما يمثل فيها من المسرحيات الاجنبية من انكليزية والمانية واميركية ونروجية ، فقد مثل بارّو « هملت » سنة ١٩٥٠ ورب مفضل بارو بقامته القصيرة وخطواته الراقصة وبريق عينيه الحاد على لورانس اوليفيه وشخصيته الجبارة في دور هملت . ومثل جان فيلار رواية « جريمة في الكاتدرائية » للكاتب الانكليزي أليوت كما تمثل مسرحيات بيراندللو وإبسن وغيرهما من عباقرة المؤلفين المسرحيين في الغرب .
وبالرغم من تعدد تيارات المسرح المختلفة فان هنالك بعض المقاييس والقيم التي يعيرها النقاد اهتماماً والتي تقرر
نصيب المسرحية من النجاح او الفشل ؛ فالمهارة في التأليف التي تجعل من المسرحية قطعة متراصة البناء « والكلمة التي تخلق جواً ساحراً ، وشخصية الممثل وعاطفته وذلك الاشعاع الداخلي الذي يتفاعل مع شخصية دوره ، ونظراته البراقة النافذة ، وزينة المسرح الفنية وحظها من الانسجام مع حوادث الرواية وتاريخها ، والموسيقى التي ترافقها - كل هذه من الاسس التي يعتمد عليها عند الغربلة والنقد والتي
تقرر نصيب القطعة من النجاح او الفشل. اما اذا كانت المسرحية مستحقة للخلود الكلاسيكي ام لا فلزم من وحده القول الفصل في ذلك اذ كثيراً ما أهملت مسرحية كان لها النجاح الباهر اول تمثيلها وكثيراً ما نبشت قطعة من سلة المهملات مئات السنين بعد تأليفها لتحتل مكانها في مرتبة الكلاسيكية الخالدة ..
( ولنا في العدد القادم عود الى المسرح الفرنسي الحديث )

