
«اخي الحبيب يوسف. كل مساء تعود نفسي الى باريس وترفرف بين منازلها. وفي كل صباح استيقظ مفكراً بتلك الايام التي صرفناها بين هياكل الفن ومروج الاحلام...»
دخلت عليه في محترفنا بباريس ربيع ١٩١٠ فوجدته جالساً كعادته، امامه على الطاولة فنجان القهوة والسيكارة الدائمة الاشتعال يصاعد دخانها معرّجاً كسولاً، حتى يتلاشى في فضاء الغرفة... وبين اصابعه القلم، يكتب ويمحو ثم يكتب... ويمحو... والتفت الي بعينين حالمتين وكانه انفرج لحضوري وراح يترنم: - «اجبران ما هذا السكون وما الذي دهاك فاهملت المحابر والكتب؟» واردف جبران وعلى شفتيه ابتسامة الرضى ممزوجاً بالقلق: - «هذا ما كتبه شاعر مصري لا عهد لي بمعرفته... الناس يا يوسف يطالبوني دائماً ويلحون بان اسمعهم شيئاً جديداً... ولدي لو علمت الكنوز الثمينة... ويا حبذا لو كانت الكلمات تنقاد لارادتي... انظر!»
وناولني ورقة غطت وجهها من اعلاها الى اسفلها كتابات
مرّت عليها المحاة مرّاً عصبياً سريعاً، سلمت منها هنا وهنالك عبارات مبتورة: «لما بلغت سنّ الرشد.. في سن العشرين... عندما فتحت عيني للنور..»
واحتوته عيناي... فناناً، شاعراً، بعيد الطموح، قصير اليد، برّ ما بجاله، ساخطاً على دنياه...
«هوّن عليك يا جبران وخفف عنك بعض هذه الهموم، من قال لك ان الاصلاح لا يكون بغير الكتابة؟ من قال ان الفن ليس عاملاً اقوى من الكلام؟ وكم هو اسلم يا جبران لو امسكنا باليد بطيخة واحدة فقط!!
قم بنا. لدي مفاجأة سارة... دقائق وتكون هنا احدى ربات «بوتيشاللي» - فتاة ايطاليه ساذجة التقيتها مساء أمس في احدى اكاداميات «مونبارناني» انها رائعة يا جبران. ستعجبك حتماً. ابن الالوان؟
في غمرة تأهبنا لاستقبال الضيفة الجديدة سُمع نقر خفيف على الباب ودخلت «مادوننا» ترتدي فستاناً اخضر دافئاً وعلى رأسها شال ربيعي الخضرة، تحمل بيدها ورقتي وعليها عنوان جبران...
- «هذا هو السيد جبران... وهذه هي الانسة؟.»
- روزيتا...
ورفعت روزيتا الشال عن رأسها، فاشرق شعر مُنسدل، بلون الذهب المحروق... شهقت عينا
جبران وهمس بالعربية مأخوذاً:
- «لم تر عيناي بعد اجمل من هذا الشعر» - اجبته:
- «وسترى عيناك الان اجمل جسم امرأة». وكلمت الفتاة بالايطالية.. «روزيتا» انزعي ثيابك. بكل بساطة واطمئنان نزعت روزيتا ثيابها والتفتت الينا بسؤال واحد تعرفه جيداً:
- اي جلسة تريدان ان اجلس؟»
فكر جبران ملياً قبل ان يجيب:
- «كانك سابحة في الفضاء ايتها الانسة... محمولة على اذرع الملائكة... الى السماء!» - واشار الى طاولة فرشت عليها سجادة وبضع مخدات. فاستلقت روزيتا على ظهرها ورفعت قليلاً جنبها الايسر وذراعها الايمين وصار جبران يسندها بالمخدات ويتمتم بالعربية: