
ليس من المنطق في شيء ان نقيس الاتحاد السوفياتي بالمقياس الغربي، ولكن ما يزال بإمكاننا ان نفهم روسيا، طالما ان الاشتراكية الروسية غربية في اساسها، وان تطورت الى شيء يختلف تماماً عن هذا الاساس.
دعت الاشتراكية العالمية الى اعفاء المرأة من العمل المرهق، اما في الاتحاد السوفياتي، فهذا يعني «حق العمل» بل العمل الاجباري لكل من تراوحت سنه بين ١٨ و ٥٠ عاماً؛ واكثر فئة مستثمرة في روسيا الحديثة هي النساء!
في الهند مثلاً، كان تنظيف الشوارع من نصيب طبقة العبيد، لكننا نرى هذه الطبقة في روسيا من النساء؛ هذا بغض النظر عن الأجر القليل الذي يتقاضينه مقابل ثماني ساعات عمل، لستة ايام في الاسبوع.
انك تجد دائماً شوارع «ليننغراد» و «موسكو» نظيفة وحتى انظف من شوارع نيويورك؛ ففي الطقس البارد المجمد، تبصر في الشوارع اشباحاً متدثرة بالكساء الكثيف، والاحذية الثقيلة، وفي يد كل منها مكنسة طويلة .. تنحني المرأة لتنظف الارصفة والمجارير من الاقذار، والثلوج .. ثم ترفع الاقذار الى سيارات البلدية؛ كل هذا من اختصاص المرأة، ولكن سائق السيارة عادة من الرجال.
هذا مع ان الشرائع السوفياتية تنص على ان تقوم المرأة بالأعمال الخفيفة فقط.
وصدف حين كنت في روسيا، ان وصلت فرقة موسيقية من فرنسا لتلعب على مسرح «موسكو»؛ وحين طلب اعضاء الفرقة بعض الحمالين لينقلوا لهم الامتعة، ظهرت امرأتان، وحملتا الحقائب الى حيث شاء اعضاء الفرقة ... وفي منجم حديد، لا يبعد كثيراً عن موسكو، تجد اكثر عمال المناجم
من النساء، وكذلك رأيت النساء يعملن في مصرف عظيم، بلنينغراد؛ ويستخدم الفندق الذي نزلت فيه نساء لحمل حقائب المسافرين، والقيام بدور الحمالين .. وتعمل المرأة في دوائر الترجمة؛ وان كان مدراء المدارس رجالاً، فان المعلمات عادة من النساء! ... ومع ان ذكاء الطالبات لا يقل في شيء عن زملائهن، فان عدد الجامعيات قليل جداً، وليس هناك امرأة بين الأحد عشر شخصاً الذين يديرون الحكم في روسيا: وحتى
نساء هؤلاء الاشخاص لا يظهرن في الحفلات العامة التي يدلف اليها الأجانب، فالمرأة حاضرة في أي زاوية تحتاج العمل، والا تختفي عن مسرح الوجود!
وقد اخبرني مدير مزرعة نموذجية ان ٦٥٪ من العمل عنده، يقوم على عاتق النساء؛ المرأة تعلف الحيوانات، وتحلبها، وتزن الحليب، وتوزعه، وتنظف الأقذار .. والطريف ان كل امرأة مسؤولة عن ثلاثين بقرة تحلبها بواسطة الآلة الحديثة، فاذا زاد مدخول الحليب عن المعدل تنال المرأة المسؤولة دفعاً اضافياً، مقابل ذلك ..
والجدير بالذكر ان هؤلاء النساء
متزوجات، وامهات يقمن بدور الأمومة والزوجية خير قيام، علاوة على «العمل الخفيف» في الحقول، والمزارع والشوارع .. فالواحدة منهن تعود مساء لتحضر طعام اسرتها، وتغسل الثياب والصحون، وتهتم بحديقتها الخاصة وفراخها؛ وقد اخبرت ان الرجال يفضلون العمل في المصانع، والطواحين، غير اني شاهدت النساء ايضاً في هذا الحقل.
ولا بد لي من وصف المنزل النموذجي لهذه الأسر، فهو مؤلف من غرفتين ومطبخ، ويحتوي ضروريات الحياة فقط؛ وقد يسهل العمل على الأم في الخارج اذ يمكنها ايداع اطفالها