بيت الحضانة ربّما تعود مساء .
وكان لا بد لي من ملاحظة الخطوط المبكرة على وجوه النساء ، وكل امرأة تبدو اكبر من زوجها بكثير ، ليس بين الطبقة العاملة فحسب ، بل بين رجال السياسة ، وحين ذكرت هذا لمرافقي اجاب : لكننا نرى عكس ذلك .
المرأة الروسية قوية البنية ، وتنجب اولاداً اقوياء ، ويتساءل القارئ : اين يعمل الرجال اذن ؟ .. وهل كلهم في ثكنات الجيش والمعسكرات ؟ ..
وكذلك تبدو على وجه النساء مسحة تعاسة لا تتمكن المرأة من اخفائها كما ان الروسية لا تعلق كثير اهتمام على مظهرها الخارجي ؛ انها ترتدي اثواباً رصينة وهذا كل ما يهمها ؛ وقد تكون صورة معاكسة للمرأة الغربية ، والاميركية بشكل خاص ، التي لا تهتم اليوم الا بنفسها وبتحسين مظهرها ، لتجذب الجنس الاخر الى محاسنها السطحية .
طوال مدة اقامتي في روسيا ، لم يقع نظري على شباب متأنقين ، او على فم يبتسم ، كما انه لم يصدف ان رأيت عاشقين في مطعم او مقهى ، يتبادلان نظرات الغرام ...
ان التجمل واستعمال المساحيق من الامور الممقوتة في روسيا ، ولم يدخل في روع المرأة استعمالها الا في المدة الاخيرة وحين قامت الصحافة بحملة تشجيع ..
ولا انسى ما حييت نظرة رجل كان يجلس بقربي حين ابصرني اجدد طلاء احمر الشفاه ، ثم اشعل لفافة .. وهذا غير مألوف لدى سيداتهم طبعاً ..
ان الحب والعطف ، والشعر اشياء محرّمة على الشعب الروسي ، ولا اثر لها في قاموس حياته !.. واذكر اني قرأت قصيدة لشاعر معروف : حبيبتي .. تراكتوري !!..
يدعو الروس وطنهم الارض الام ، لان الام حقاً قوام هذا الوطن !...
ولكن هل هذا العمل يقلل من انوثة المرأة ؟.. كلا ... صدف مرة اني كنت ارتجف من البرد ، في احدى المزارع ، حين اخذت عجوز طيبة يديّ وراحت تفركهما ثم اجلستني في زاوية دافئة ، واحضرت لي كأس حليب ساخن ، وخبزاً ، ثم جلست تسايرني في شتى
المواضيع ؛ لقد جعلتني احس بانها عاجزة عن الحقد والكراهية ؛ بل قادرة على تخطّي الحدود التي وضعتها السياسة.. والتي تعجز عن تحطيم مقاييس الانسانية..
لقد اذابت قلبي تضحية المرأة الروسية ، وانكارها لذاتها ؛ هي صبورة متواضعة ، قوية ورفيقة معاً ؛ هي وحدها حرّكت جوارحي وجعلتني احس بشعور غريب ، وتشوقت لان اكون معها ، اتسلق واياها شعاب الحياة ، وعورة المسالك ، والوّح بعلم احمر ضدّ الكسل والخمول .. وغداً يطلع يوم جديد ... اتمناه سعيداً للمرأة الروسية !..
