العين ترمش للحلو وتصفق ، والقلب يرف للحلو والنفس تتفتح للحلو .. فلم لا يقطر اللسان للحلو ايضاً ؟ ..
هل تعلمتم مثلي منذ الصغر بان الانسان - يجب ان يأكل ليعيش وحسب ، ولا يعيش ليأكل .. وهل تعلمتم بان من علامات التهذيب الفم الخجول .. انا كنت ارافق امي في الزيارات لاملاء جيوبي بحبات الملبس والشكولاتا بالرغم من نظراتها الموبخة وحمجتها المهددة ثم اعود عند المساء فاقسم واخوتي ما جمعته في النهار بعرق الجبين !! ..
هذا عندما كنت صغيرة اما اليوم فالحالة لم تتغير كثيراً لمَ لا ؟ والطيب يبقى طيباً !! ..
« آرلكان » سلوة المآدب وعريسها المهرّج ، هذا في باريس ، وهو في ايطاليا من اطيب الكاتو .. اما في لبنان فانه زاوية ظريفة حشد فيها كل ما لذّ وطاب . وحسب هذا اللذيذ الطيب انه من صنع ايادٍ لبنانية فنانة ، ايادي الفرسان الثلاثة : فارس وموريس الفغالي .
واحد يستقبل ويبش بوجه الرائحين والداخلين ، واحد يساعد هنا وهناك في المخزن وفي المعمل ... وواحد يعجن السكر بالحلاوة .. مع خمسة وعشرين مساعداً ! ..
ارلكان اسم لمسمى كبير .. فيه تعد ولائم الاعراس ، وموائد الحفلات بسرعة عجيبة وعنده يدلل الزائر شراهته ... ويشبع ! والحسين يداً تعمل نهاراً واحياناً ليلاً لارضاء اذواق الكل ومن يسابر الاهواء يمت غماً وعذاباً احياناً !!
حدثني واحد من الفرسان الثلاثة الفغاليين حكاية الطائرة العجيبة التي شحنت عجائبهم المختلفة الالوان والاشكال وطارت بها الى الحجاز .. الى الكويت الى العراق وحتى الى الاردن .. لا بأس .. الحلو يجب ان يورّد !
والمدهشة حقاً افران ارلكان التي تطبخ في الساعة الف قطعة يلتهمها البيروتيون كلها على ذمة الراوي ! وعجلة ارلكان تدور وتدور ..
قصة الفغاليين قصة العصامية اللبنانية .. دعوني اتغزل بتلك العصامية التي نشرت ذكرنا هنا وهناك حفنة من غار !
هؤلاء امضوا سنين من العمل المختبر عند « مسعود » يستعدون للقفزة الجريئة فكانت « دكانتهم » سنة ١٩٥٠ ، ثم كان معملهم . والمهم انهم كانوا بالامس من بناة قصور الهواء اما اليوم فانهم يبنون قصور السكر البيضاء والصفراء والبنية ليدشنها العرسان او اصحاب الاعياد !
لا شك ان ظل الفن يأبى ان يتقلص من المطابخ .. وان الذوق في تحضير المآكل المآكل ملح وبهار من النوع الثمين ! هذا ما اقوله كلما زرت ارلكان وكم اتمنى لو اقضي فيه مع صاحباتي وزميلاتي واخواتي الايام والشهور لنغترف من معين فنّ ليس ببعيد عن سائر الفنون ! فن كان لنا ومنّا ثم وهبناه بعضه مكرهين ضريبة لعصر السرعة !
انا ادعوكن لزيارة .. العند الحلاق ؟ لا .. العند المزين ؟ لا ! العند الخياط لا !! انا ادعوكن لزيارة المطبخ ...
واما السؤال التقليدي ، هل نعيش لنأكل ام نأكل لنعيش فلا جواب عندي له وانت لا تفتش عنه ففي كلتا الحالتين نحن نأكل ... فلنأكل ما هو لذيذ . طيب .. حلو !

