ربّاه! ستشقى في المدينة، ستخدم
وتتعب لكنها لن تشكو.. ربما
انسابت دموعها بصمت كالظلام في
الظلام، بغير شكوى، بغير أنين، بينها
وبين نفسها بينها وبين ربها... كان الله
معك يا علية. كان الله معك!!.
★
ألقت بنفسها على الفراش ولم تستطع
حراكاً...
«إنك تعبة. تعبة. تعبة»..
قالت لها نفسها تحدّثها..
فكّت جدائلها وتركت شعرها
ينطلق وينطرح على كتفيها حراً
طليقاً..
ويح نفسها كم تحنّ إلى الشكوى
كطفل يتّمه الدهر!. ويح قلبها كم
يحاول إفلات زفرات سجينة من أعماقه!.
لقد وعدت بالّا تشكو وستظل
قوية راعية للوعود..
تحدّث أمها أحياناً. تحدّثها بصمت
كما تتحدث إليها نفسها. فلا يخرج من
حلقها صوت ولا يهزّ شفتيها ارتجاف.
تغمض عينيها وتفتح قلبها فترى أمها
وكأنها معها...
- اليوم وضعتْ أمامي جبلاً من
الثياب فكاد يتحطم ظهري من الانحناء.
أمس رفعت يدها لتصفعني ثم ردتها إلى
جنبها. لن أتحمل ذل صفعاتها وحسناً
فعلت بردّ يدها...
أمس تجادلا وتشاحنا من أجلي أو
بالأحرى من أجل ثوب العيد
يقدمانه لي.. قال هو بحنق وغيظ:
«إنها بشر مثلنا لها حق الحياة وحق
الابتهاج بالأعياد كحقنا! فإن لم تشتري
الثوب أنت اشتريته أنا. أتفهمين»؟


كفكف دموعها بكفّ يده ثم نظر إلى الأرض.
- «أعدك بقدسية هذا التراب أن اذهب في طلبك حالما اجمع ما يكفي من
المال.. اذهبي الآن مع أبيك واعملي بجدّ فتمضي الأيام كالرياح»..
- «سأذهب وسأنتظر.. لن أتعب، لن أشكو فقط سأنتظر». وظلّ يتابعها
بعينيه تبتعد مع الضوء يلفلفها الغروب كخيال راحل إلى البعيد حيث تقطن الأحلام..
٢٨
