
ما زالت أحوال الجزائر قلقة مضطربة ، تشغل الساسة والحكام الفرنسيين ، نتيجة للمقاومة العنيدة التي يبديها الجزائريون الوطنيون إزاء الحملات العسكرية النسفية التي تقوم بها القوات الفرنسية في المغرب العربي .
وتقوم الدول العربية جميعها بشد أزر الشعب الجزائري الباسل مستنصرة الرأي العام العالمي لتحرير المغرب العربي ، وتخليصه من نير الاستعمار .
ففي بيروت ودمشق وعمان قامت تظاهرات سلمية احتجاجاً على سياسة فرنسا في الجزائر ، أيدها المسؤولون الرسميون في العواصم الثلاث ، فألقى كل من رئيس مجلس النواب ورئيس الوزراء اللبنانية خطاباً أعلن فيه ثقة الدول العربية حكاماً وشعوباً بعدالة القضية المغربية والعزم على ملاحقتها في المؤتمرات والمنظمات الدولية .
قامت بعثة عسكرية أردنية بزيارة القاهرة في ٢٨ نيسان ، واتصلت بالمسؤولين المصريين من الرجال السياسيين والعسكريين . ودرست معهم الوضع الراهن في الشرق الأوسط ، على ضوء رحلة السيد هامرشولد الأخيرة في الشرق الأوسط ، والأوضاع التي تسود خطوط الهدنة بين العرب وإسرائيل . وقد انتهت هذه المباحثات إلى عقد اتفاق ثنائي بين مصر والمملكة الأردنية الهاشمية ، من أبرز خطوطه التعاون العسكري المشترك لدفع أي عدوان إسرائيلي على الحدود العربية .
زار امبراطور ايران والامبراطورة ثريا تركيا ، بدعوة رسمية من الرئيس جلال بايار ، الذي كان قد قام خلال هذا العام بزيارة للعاصمة الإيرانية . اسفرت عن انضمام ايران إلى ميثاق بغداد .
ويلاحظ المراقبون السياسيون أن ايران وتركيا العضوين في الحلف العراقي ، هما أكثر الدول اهتماماً بالشؤون التي تعنى بها سائر دول الحلف ، بالنظر إلى حدودهما القريبة ، أو المشتركة مع الاتحاد السوفياتي .
والجدير بالذكر أن زيارة العاهل الإيراني لتركيا ، جاء في وقت كان رئيس وزراء فرنسا ووزير خارجيتها يقومان بمحادثات سياسية هامة مع زعماء موسكو ، تناولت مختلف شؤون أوروبا والشرق الأوسط وشمال أفريقيا وآسيا .
وخلاصة القول : إن زيارة الشاه لتركيا تميزت بطابع المجاملة . إذ كانت رداً لزيارة الرئيس بايار لإيران . ولكن النتائج التي اسفرت عنها اتصالات الرئيس موليه والوزير بنيه ، لم تكن لتوحي إلى الرأي العام الدولي ، أن موسكو بدلت كثيراً في سياستها التقليدية . وهي وضع الغرب تجاه الأمر الواقع في الحرب الباردة القائمة بين الكتلتين الشيوعية والرأسمالية .
غير أن الأمر الذي يلفت انتباه المراقبين السياسيين في الغرب والشرق ، سلسلة الزيارات التي يقوم بها زعماء
شرقيون وغربيون لموسكو ، في مستقبل قريب . فولي عهد اليمن سيكون أول شخصية عربية تزور العاصمة الروسية ، ويجري فيها مع المسؤولين محادثات سياسية هامة ، والرئيس جمال عبد الناصر ، سيكون رجل الدولة العربي الثاني الذي سيقوم بزيارة موسكو ، بعد انتخابه رئيساً للجمهورية المصرية في ٢٣ حزيران القادم والمارشال تيتو ، سيصل إلى موسكو في ٣ حزيران ، بعد أن قام بزيارة باريس بصحبة زوجته ووزير خارجيته ، وجلالة الملك فيصل ، قام بزيارة أسبانيا ، وانتقل بعدها إلى مراكش حيث نزل ضيفاً على جلالة السلطان المراكشي سيدي محمد بن يوسف .
وإذا جاز لنا أن نستلخص شيئاً من زيارة تيتو لفرنسا فهي أن الرئيس اليوغوسلافي ، قد بحث ملياً مع الحكام الفرنسيين أهم الخطوط التي تقوم عليها سياسة الغرب بالنسبة إلى قضايا القارة الأوروبية المعلقة ، كما أنه قام بجس نبض فرنسا حول إمكان قيام يوغسلافيا بالوساطة لحل مشكلة الجزائر ، الأمر الذي يستبعد المراقبون حصوله ولا سيما بعد زيارة السيد أبو حافة لبلغراد وطلبه إلى حكومتها عرض وساطة بين فرنسا والجزائر توصلاً إلى الحل السلمي المنشود .
ولكن الزيارة التي ترسم حولها علامة استفهام كبرى ، هي زيارة شاه إيران والأمبراطورة ثريا للاتحاد السوفياتي ، بعد تبادل مذكرات شديدة بين الدولتين بسبب انضمام إيران إلى حلف بغداد ، وطرد الملحق العسكري السوفياتي في السفارة الروسية من إيران بتهمة قيامه بالتجسس .