الدعوة وتوجهت نحو الباب . فقال لي جبران مودعاً : «ساكون عندك الساعة ٥ - ٦ ... سلم على الآنسة أولغا ...
بعد خطوات على «بولڤار راسپاي» شاهدت روزينه سائرة في نفس الطريق ، ولاحظتها تتمهل قليلاً أمام مخزن للأحذية ثم تقترب من امرأة عجوز جالسة على مقعد بجانب الطريق وتضع حسنة في يدها ، ويمر بها شاب يهمس شيئاً في أذنها فتنفر منه وتسرع الخطى حتى المفرق .. وكنت في هذه الأثناء قد وصلت إلى قربها وخاطبتها بالإيطالية : «إلى أين أنت ذاهبة ، هاتي يدك لاساعدك على المرور ..» فاجفلت أول الأمر ، ولما عرفتني اطمأنت إليّ وأعطتني يدها ببساطة قائلة : «أنا ذاهبة إلى قرب حديقة «موتسوري» .. نصف ساعة على الأقدام . «يا دلّي» وأنتَ إلى أين ذاهب ؟»
- إلى مطعم مدام «بوده» هناك في زاوية الشارع .
هل ينتظرك أحد ؟
- كلا ..
- وهل تقبلين عزيمتي ؟
- بكل سرور . أنا ميتة من الجوع !
وعلى المائدة انفرط عقد لسانها ، فسردت لي حكايتها . واخبرتني أن عائلتها تسكن قرية «انطيكولي» في إيطاليا وإنها بدأت حياتها العملية ، تذهب في الشتاء إلى روميه لتجلس أمام الفنانين . ثم قيل لها أن مجال العمل في باريس أوسع فجاءت مع إخوتها الثلاثة ، صُنّاع بناء ... وهنا غصّت في الكلام وقالت : -
- «ليتني لم آتي إلى باريس ! أنا غريبة فيها ، لا أم ولا أخت ولا ...» وغصت ثانية ...
- وأخوتك ؟ ..
- «أخوتي دائماً في شغلهم . ثم هم قساة عليّ لا يفهموني ويأخذون مني كل ما أربح !» وكرجت دموعها على خديها ...
- وهل يتيسّر لك الشغل دائماً والباريسيات كثيرات ؟
- لم أجد أية صعوبة ... فأنا كلما جلست في الأكاديمية يعرض عليّ شغل كثير . لكنني لا أوافق إلا إذا أعجبني رأس الفنان !!..
وأردتُ أن أخفف من كآبتها فسألتها مبتسماً :
- وكيف وجدت رأسي ورأس جبران ؟
لكنها لم تجب على سؤالي البارد واسترسلت مكملة حديثها:
