والحياة . ويظهر الشبح فجأة فيتساجل الاثنان ويدافع الشاب عن وجهة نظره بان ايزابيل شابة تخص الحياة لا عالم الاموات وان الطريق الوحيد الموصل الى الموت هو طريق الحياة ، فيتهكم منه الشبح لعلمه انه ربح ايزابيل منذ زمن وانها في طريقها لمرافقته الى العالم الآخر والا « ما هذه الصفرة التي تعلو وجهها؟ » فيقف الشاب حاجزاً بينهما ويفرض ارادته لحمايتها ويندفع باظهار حبه واحترامه لها فترجح كفة الميزان وتفلت من ايزابيل كلمة تحبب وتقدير لاندفاع الشاب واخلاصه فتثور ثائرة الشبح ويترك ايزابيل غاضباً فترتمي بين يدي خطيبها منهوكة القوى تطلب معونته وقوة ساعديه .
ومن عناصر هذا السحر هنيهات الصمت التي تتكرر بين المحادثات اذ لها وقع يفوق ابلغ التعابير تأثيراً . واذا اضفنا اليها الموسيقى التي ترافق حوادث المسرحية وزينة المسرح الفنية تكونت عندنا صورة لهذا الابداع الرائع في الفن المسرحي لتلك القطعة الكاملة التي خلقها « جيرودو » .
ومن وراء هذا السحر الذي يدهشنا ويستحوذ على مشاعرنا آراء سياسية واجتماعية وتحليل نفسي وتهكم لبق وفلسفة خاصة يقدمها لنا جيرودو بهذا القالب المشوق فتلتمح من خلال السطور وتنفذ الى اعماق النفوس بسهولة محببة . فهو يدعو الى حكمة عملية معتدلة ليستفيد الانسان من فرص الحياة ويكشف القناع عن الجمال الكامن في الطبيعة . في النجوم المتلألئة وفي الرياض العبقة وفي ابتسامة الطفل الساذجة وحتى في الاعمال اليومية التي قد تبدو لنا تافهة .
وله جولات فكرية تذكرنا بسارتر اذ يدعو الى انسانية الانسان وحريته وان كل شيء نسبي في هذه الحياة وان على الانسان ان يعمل واجبه ضمن امكانياته الفردية .
واذ تنتهي الحرب العالمية الاولى يدعو جيرودو الى التفاهم مع المانيا ويخرج روايته المشهورة « سيغفريد » ، وهي حكاية شاب افرنسي وقع جريحاً في خنادق العدو فنقل الى مصح الماني وشفي من جراحه ، ولكنه فقد ذاكرته ونسي ماضيه فاحتضنته سيدة المانية وسلمته قيادة الحركة الوطنية الالمانية وصار زعيما تلتفت الجماهير الى كل اشارة تبدر منه لتأتمر بامره . وكأنما اراد جيرودو ان يقول ان لا فرق بين ما نسميه المانياً وما نسميه افرنسياً وها جاك الكاتب الفرنسي اللامع يصبح سيغفريد الزعيم الالماني المطاع وها قواد الجيش البروسي من اصل افرنسي بروتستاني كان اجدادهم قد هاجروا الى المانيا بعد نقض معاهدة نانت المشهورة .
توفي جيرودو في سنة ١٩٤٥ وترك وراءه تراثاً من الادب المسرحي الفذ يعد من مفاخر المسرح العالمي وقد احتضنت لندن مسرحياته فمثلت « حرب طروادة لن تحدث » و « أوندين » كما قامت اودري هايبرن بدور اوندين في نيويورك وديانا سيلنتو بدور هيلانة طروادة .
ويقول عارفوه انه جمع الى هذا الخلق الفني شخصية انسانية جذابة تدعو الى الاحترام والتقدير ، فقد كان حاضر النكتة لبقاً في تصرفه يجد في حوادث الحياة العادية تفكهه وايحاءً .
على ان الزمن لم يقل كلمته النهائية في جيرودو بعد فهو لا يزال في فترة الغربلة التي تعقب وفاة الاديب عادة والتي تطول مدتها احياناً الى العشرين سنة .
وهناك الكثير من كنوزه المطوية تنتظر النقاد والباحثين ليقوموا بهذه المهمة الجبارة اذ ان ادبه السهل الساحر ينطوي على تعرجات ولمحات دقيقة وعميقة ..
