بيد قبضت رندة على النقود، وحصّنتها بأصابع اليد الثانية... وترامت على حافة السرير، تلهث أعياءً كأنها خرجت للتو من معركة! خلف عينيها يصطرع فكران كبيران، شقّ على الطفلة البتّ فيها على الفور.. أي مصير ستمضي إليه هذه الحفنة الغالية؟ إنها لثروة! يا طالما حرمت نفسها لذاذات الشوكولاته والكعك حرصاً على كل قرش فلا يهدر... وثبّتت عينيها على قبضة النقود تستعيد ذكرياتها: -
هي لا تنكر أن البركة دبّت في الخيرة غداة ذكرى مولدها. يوم أطفأت العشر شموع على الكعكة البيضاء، بين تصفيق رفيقاتها وإنشادهن...
أكثر ما أعجبها من الهدايا «قِجّة» ملوّنة حملتها - يا لذوقها - رفيقتها سعاد. ليلتها أنزلت في القجّة الخمس ليرات - كل ما جاءها نقداً.. وأضمرت في قلبها أمراً، لم تبح به لأحد. ولعل هذا الكتمان بالذات ما حبّب إليها التضحية والانتظار.... أيعقل أن تعود اليوم عن هذا الأمر الخطير؟ أيحتمل أن تعدل عما بدا لها، حتى الأمس القريب ذروة مناها جميعاً؟
من شهور ثمة شيء يجزّ في نفسها... هذا القفص الجميل المنحني، فارغاً مهجوراً فوق الخزانة. لقد رتع فيه يوماً «فيفي»
كنارها الأصفر. كان يبهج أهل الحي ويشجيهم بزوغاته النشيطة المرحة... لها هي كان أكثر من ملهاة! ما أسرع ما تفاهمت مع فيفي... الله! في أية لفتة داعبها، وفي أية نقرة ورفّة جناح لاعبها، وكيف تقبل تدليلها، تصطفيه
بقلوب الحسّ الترف وتتفنن في استعراض لباب الفاكهة الطرية أرضاءً لنهمه...
لن تنسى أبداً ذات ضحى وفيفي مسترسل في الغناء، كيف غصّ فجأة باللحن وصار يختبط ويهوي على غير هدى، ناثراً ريشه في أرجاء القفص.. وماذا رأت إذ أسرعت إليه غير قط الجيران الأسود نافشاً صوفه، متحفزاً لوثبة ثانية شرسة؟ ما أخفّ ما انقضّت عليه. بيدها. برجلها. بعصا جدها... كل همها إنقاذ فيفي من بطش هذا النمر الصغير... ها آثار خرمشته باقية على
