طول اصابعها ... من ساعتها ارتفع مسمار القفص شبرين على حائط الشرفة وضاع للقط كل امل في الغنيمة الباردة .
ويا فجيعتها اذ جاءت تتفقده مرة فالفت القفص خالياً والصمت المريب مخيماً حوله ، هازئاً بها !
كم كرهت نفسها . كم دعت على حالها بالموت ! اذ فطنت انها هي لا سواها ، التي نسيت باب القفص مفتوحاً !! أتراه قوي على الطيران والتحليق ام تعثر وكبا ؟ هل اهتدى الى طعام في هاتيك الجنائن يسد به جوعه ؟ أترى اختطفه قط الجيران الاسود واعمل فيه انيابه ومخالبه ؟! يا ويحه ان فعل ؟! .. يا ويحه !
ان ما هجست به رندة وتساءلت حوله يومذاك في مجال شعورها ومخاوفها نحو فيفي لم يكن في الواقع سوى بعض حزنها الكبير عليه ، لا عجب ان يشك اخوها بصحة الاحلام التي ما فتئت تسردها عليه ، كلما افاقت من النوم : كلها عن فيفي !! فهي اما التقته في الحديقة مختبئاً خلف ورقة يرنو اليها بخبث ، او اقبل يفرف حول القفص مداعباً متودداً ، ام انها عادت من المدرسة فالفته قائماً مكانه يغني ويصدح ، او يتأرجح ويهوي بجناحه المترف اللون والظل ...
كم تأوهت حسرة في سرها متمنية لو تتحقق ، يوماً الاحلام ... لو تدوم ! فلا تتداعى سعادتها ، حالما تفتح عينيها وتحطان فوق الخزانة ...
... شهراً بكامله ظلت رندة عائشة بالامل . تعلق القفص مكانه وتترك بابه مشرعاً ، وماء الشرب عارماً ، واناء
الحب طافحاً بالقنبز ، واوراق الخس مدلاة من قفصه ، والتين الطازج مطبوعاً على العيدان - كل شيء على الطريقة الخاصة بفيفي ... انه لا محالة سيعود ، كانت تؤكد لنفسها ، اين يلقى في العالم كله مثل هذا العز والرفاه ؟ انه عائد ... حتماً عائد .
لكن فيفي لم يعد ، وراحت الصغيرة تهدد خيبتها على مضض ، ولما استبد بها الشك ، نظفت القفص يائسة ، من بقايا الاكل ، ونحته على ظهر الخزانة ... وفي امل « اللعل » ابقت بابه مشرعاً ... من يدري ؟؟.. من يدري متى تحدث الاعجوبة ؟!
لا بد من نتيجة... من حل . لكل مشكلة حلها ، مهما عصت ، تقول معلمتها ... وتقول امها ايضاً . في امكانها مثلاً ان تدخر من المال ما يكفي لشراء كنار آخر ، تكون اوعى من ذي قبل في المحافظة عليه !
من يومها اصبح لحياة رندة معنى جديد . اصبح لوجودها غاية تسعى من اجلها . صار يتراءى لها اذ تتمايل امام المرآة ، انها امست اخف سمنة واستدارة بفضل الاحجام « الاختياري » عن اكل الحلوى ... وباتت تختلق الاعذار لهجر السينما وتعود خلسة ، تضيف النصف الليرة الى محتويات الفجة ، مصغية الى خشتها المعدنية الرنانة بشغف ، مقدرة بينها وبين نفسها الكمية التي تكون قد تجمعت لها داخل العلبة المدورة ، وهل هي ياترى ، تكفي لشراء كنار ؟!
تذكر جيداً رجوعها يوماً من المدرسة ، اذ دلتها رفيقتها على محل في حنوة شارع قريب ، اشرأبت من
جدرانه عشرات الاقفاص القصبية ينتقل فيها العصافير من كل لون وجناح. لكم ودت لو تبقى هنالك مأخوذة مشدوهة تسرح طرفها بين الحساسين والبلابل في غمرة صراخها والزقزقة... لم ترَ بينها سوى كنار واحد ! كيف خفق قلبها اول الامر اذ حسبته هو فيفي بعينه ، لولا صف من الريش الابيض طوق عنقه ، مما لم يكن لفيفي ... كم تشهت لو تحتضن ذياك العصفور الاصفر الناهض الصدر ... لو تبلل ريشه قبلات ... لكن شيئاً من ذلك لم يحدث . ها هي تقفل راجعة متظاهرة باللامبالاة ، مصممة على مضاعفة الجهود وصوت البائع يتحدى سمعها : « هذا الكنار فريد نادر . لا ابيعه بأقل من خمس وعشرين ليرة ! »
على هذا النحو عاشت رندة الشهور ، وقد صافح نفسها شيء من الرضى على اجتهاد ثابرت عليه تنفيذاً لخطة ، هي وحدها المسؤولة عنها ، تعمل على تحقيقها بكل ما يرافق التضحية والحرمان من غبطة عميقة ... حتى كان الامس ، ساعة ايقظتها امها ، فجأة ، من عز النوم ، واسرعت تلبسها معطفها وتقودها مع اخيها الى الساحة خارج البيت حيث تجمهر الجيران في ثياب نومهم يلفظون باصوات عالية ، كلهم في حالة من الذعر الشديد .
... في ذهولها ، لم تأبه . لم تفهم لذلك مغزى ، الا بعد ان استعادت بعض وعيها ، ولملمت اطراف الحكاية من هنا وهنالك... انها هزة ارضية... بل ثلاث هزات متتالية ، لا عهد للبلدة بمثلها .
