
كنت معك بملاذ يحميني ويعصمني ويمد على نقائي جناحاً ملائكياً ، وكنت انت تنفث في روعي تهيباً وكنت توسعني شعوراً بضآلتي إزاء طليّ بيانك ودقيق فكرك ! فكنت استحيل خيبة مبتهلة لان اغدو يوماً مالكة ما تملكه انت من قريحة وذكاء قلب .
وكنت ألوذ بطاقتي الذهنية استعطفها لتبديني امامك شيئاً ذا بال ، ولم يكن توسلي الا ليزيدني تبدداً ، ولم يملأني التبدد الا عذاباً ، فكنت كمن يعاني اختباراً قاسياً وتجربة مرة .
لماذا كنت اذا اصغيت اليك توزعني الفكر وتعاقبت عليّ اسراب المشاعر فأصبحت نهباً مقسماً لكل خوف وكل حنان وكل انكماش وكل تعاطف ، حتى اذا ما حاولت استطلاع ذاتي ، جاشت بي نفس صغيرة يزهو عليها التأثر والرغد ، ويملأ خوالجي تفاعل خفي ، استرق من قليل بوحه تلك اللازمة الواحدة المعادة : « كبير انت في رحمتك ، وكبير كبير في ظلمك » !
ما هو هذا الذي كان يقسرني لان اجلّ فيك المواهب والحسنات ، ولأخلق من عيوبك الضئيلة تفسيراً لا يهتدي اليه الا الذي يستجلي الامور بأنوار جنانه !
ولماذا لم تكن انت تستخرج من معانيك الا كل مبتكر يختطف انتباهي ، وتنبه في ميلي استعداداً الى التحصيل وانكباباً على المعرفة ، فأتوق الى التأني بصفائك الذهني ، بتلك المرونة الغريبة في تخطيها مصاعب العي والتعثر .
بل لماذا اصبحت عندي تلك اللجاجة التي تسترحم القدرة الالهية وتستعطفها
لتغدق عليّ المواهب الرائعة ! وتجملني بطفرة معجزة يتداعى فيها ارتباكي وعجزي وما انوء به من عي وتبلد في مسايرتك الفكرية الحاذقة .
لقد كان لكل يوم من ايامك ايقاع فريد ، غيّر معالم حياتي ووهب فكري جناحاً ونفسي لساناً ، فاذا ما عدت اليك في مخيلتي ، عدت الى روح نسرية ، اجتازت آفاقي واوحت إليّ الكبرياء وعلمتني ان اجثو في صرامة نحو منبع كل عاطفة جليلة وكل فكر عظيم . فلا غرو إن شعرت انني كنت صغيرة إزاءك ، وانك احتكرت من انواع المقدرة والتفوق ما دفعني ان اقتبس عنك كل معرفة كي استعين بذكائك على صقل نفسي
وانمائها .
وقد كان كلامك مزيجاً من نبرة الامر العسكري ووداعة النفس الكبيرة، وكانت تغزوك تلك الكآبة الطفيفة التي تزيدك رزانة ووقاراً وتوحي بما استوعبت من ودائع الحياة واسرارها فما كنت ابدو عند مقابلة نفسي بك سوى طفلة غرة ، نبه إعجابها تزييك بكل غريب جذاب !
أكنت تدري كيف غدوت اصارع ما يجول في الروح من وهن وتخاذل ، كي احاول التشبه بك والتمثل على منوالك ؟ ام انك تعلم اني وجدت فيك اليد الجبارة الآمرة التي تعلم السير دون تؤدة ؟ ! تعلم صافعة ، وتعلم حانية .
