هي لم تشهد « الموقعة » التي هربت الناس - جميع الناس - من مخادعهم الى العراء ، ولا استشعرت البناية العالية تميد ذات اليمين وذات اليسار ، لكن وصف اخيها ، ووصف جيرانها جميعاً كان كافياً لاشاعة الرعب في اوصالها ... ياهول ما تناقلته الصحف والاذاعة صباح امس عن الكارثة ... قرى على بكرة ابيها تهدمت وخربت ... ألوف الناس في الطرقات ... مئات الاطفال تحت الردم ... مئات آخرون شردوا ، لا مأوى ولا طعام !
هنا استعادت رندة صلاتها تلك الليلة فاسبلت عينيها وتخضبت وجنتاها خجلاً . لقد شكرت الله لانه رد عنها الموت والتشرد ... فيا ألف عيب عليها ان تنسى في وهلة الخوف ، جميع الناس قريبين وبعيدين ، وتقصر اهتمامها على شخصها ... كيف للصغيرة ان تكفر الان عن ذنب جنته بحق الانسانية ؟ انه ليعاودها الشعور بالذنب كلما تهيأ لها الاصغاء الى انباء الكارثة وتفاصيلها ، وما اكثر ما تهيأت لها التفاصيل ذياك النهار !! فتضخم الوهم في رأسها وتقل به ضميرها المرهف وتملكتها الحيرة ومعها التبكيت . كيف لها ان تكفر عن ذنبها ؟ كيف تمحو هذه الاساءة بحق انسانيتها ؟
في هذه النفسية المنسحقة استقبلت رندة يومها الثاني واحست انها ضعيفة تافهة . كيف تتملص من هذا الشعور كيف تهرب منه ؟ كيف تعود الى سابق
عيشها الهنيء في البيت وفي المدرسة ؟
عبثاً حولت عينيها عن صفحات الجرائد ملأى بالرسوم والحكايات الموجعة في القرى المنكوبة وقد ناهزت المئتين ... عبثاً اصمت اذنيها وباقي حواسها عن الروايات يتندّرون بها ، تنسلخ لها القلوب ... وعن الاذاعات تحاول ان تهديء الناس فتفشل ، وتتركهم في خضم اوهامهم ، بين قلق وخوف ... بعيداً عن هدوء الاعصاب .
واليوم وقفت مديرتها تستحث التلميذات . توقظ نخواتهن . تستدر عطاءهن من اجل صغار محرومين وربما مرضاء ! .. وهرعت الى امها ملهوفة ، كومة من الاسى والتعس . وارضى كبرياءها ان عطاءها فاق عطاء رفيقاتها . لكن العشر ليرات كانت من امها لا منها ، ولذا لم يجيء اطراء المعلمة شافياً لجرح في قلبها ، مهدءاً لثورة في ضميرها . واستعادت في ذهنها قصة روتها المعلمة في الصف عن سيدة مثرية خلعت عقدها اللؤلؤي الثمين للمنكوبين ... لو كان لها مجوهرات لوهبتها كلها ... او نصفها على الاقل !
وانتفضت رندة اذ تذكرت ! تذكرت انها تملك قجة لها خشخشة معدنية رنانة ، وفي سبيلها يا طالما عزت عن نفسها المآكل الشهية ! وبدون تردّد هبت مندفعة ومعها ضميرها - الى المخبأ ... حيث القجة . اخذتها بين يديها وراحت تقلبها وتعالجها بأنامل مضطربة وتقسو عليها مداورة حتى استقام لها شطرها الى نصفين ... وانتثرت النقود الصفراء والبيضاء على السجادة بين قدميها . تملّت اولاً من منظرها ثم قبضت عليها بيد
وحصّنتها باصابع اليد الثانية وترامت على حافة السرير ، تلهث اعياء كأنها خرجت للتو من معركة ! واندفعت مع لهاثها الزفرات الحرى . أكانت تمتماتها تساؤلاً ... ام صلاة ؟. يجب ان تقرر . يجب ان تقرر ... المصير الاخير لما في يدها ! وبقيت هكذا في غمر من الارتباك والحيرة ... طرفها المقرور ومسمّر على القفص المفتوح فوق الخزانة ، وضميرها المجرّح يحقن عروقها دماً احمر ... موجعاً !
ها هي قررت ! ... القت في الحال الحفنة في حضنها مبللة بالعرق من وهج اليدين المضطربتين واكبت على النقود تحسبها لاول مرة ، وتشدها صرة صغيرة تدسها في جيبها ، امانة للصليب الاحمر ، وقد التمعت عيناها بشرر من انسام الجنة ! وانتصبت على قدميها . اعتلت كرسياً اوصلتها الى القفص ، واحتملته بفرح الى مسماره العتيد على حائط الشرفة ! اي اشراق مسح محياها السني ، واية بسمة منتصرة ارتسمت على الفم الحلو وهي تقفل باب القفص ، بكل ما في الانتصار من نشوة ... وقوة .
ومن قلبها ... ارتفع غناء فيفي ، كرات متتالية نشيطة ملأت الحي والدنيا غناء ... لا اشجى ولا ارق !!!

