صفحة من حياة جبران والحويك
وخطر لي خاطر عرضته على روزينه قبلت به على الفور .
وتم الانفاق على ان تجيء مع صديقتها مرغريت الى محلي عند الساعة الخامسة وتجلبا معها ثياب الرقص . وكتبتُ لها العنوان .
نعود الآن الى اولغا التي اوصاني جبران قبل مغادرتي اياه ان اسلم عليها ... فهي فتاة روسية من معارفه جاءت باريس لتتابع دروسها العالية في اصول الكلام والموسيقى ، وهي من مدينة « تومشك » وتبعد عن باريس ١٥ يوماً بالقطار .
وصدف ذلك الربيع من عام ١٩١٠ ان فاض نهر السين وطغت المياه على الاحياء المنخفضة ومنها البيت الذي كانت اولغا تتمرن فيه على البيانو ، فطلبت من صديقها جبران ان يسمح لها بنقل البيانو الى محله ، لكن السلم الخشبي والمدخل كانا يضيقان عن ادخال البيانو ، فأرسلت البيانو الى محلي وقد كان بابه وسيعاً ومطلاً على الشارع ، فكانت اولغا تأتي بعد الظهر تتمرن على العزف ، وانا في عملي بالاكاديمية ..
وفي الحين والحين كانت اولغا تدعونا - انا وجبران - لسماع ما يروق لنا من ألحان بيتوفن وتشيكوفسكي... وكان «السموفار» الروسي ، دائماً ، عامراً بالماء المغلي للشاي !
مرّ على ذلك العهد ٤٦ سنة ، وما يزال من اجمل ذكرياتي الباريسية ، تلك الاوقات الحلوة التي كان الحظ والالهة يسمحان لنا بان نعيشها !.. كنت اجلس مع جبران على مقعد وثير نحتسي الشاي في شبه ظلمة دافئة ، وتجلس اولغا على البيانو تحت النور الباهت وقد تدلى عن كتفيها شال رمادي اللون مقصّب الحواشي ، يرفّ كالفراشات مع ارتعاش الانغام تحت اناملها الرشيقة ...
وعلى الانغام رقصت روزينه مع مرغريت ، وتهادت اجسادهما المرمرية كعواميد الاكروبول ، تارة في ثياب يونانية قديمة ، وطوراً في ملاءة شفافة غنوج ، تضفي على الجمال الراقص النابض مسحة مقدسة ، كنت وصديقي جبران ، نستغرق حيالها في تأمل وخشوع ... وانتشاء !
او تعجبين بعد ، يا صديقتي ، لماذا تدمع عيناي ؟
( يتبع في العدد القادم )

