

ما الاعياد إلا واحات في صحارى الحياة ، تستروح بها النفوس من هجير الايام . لحظات قصيرات ، بالقياس على طول الآماد ، وعظيمات ، بالنسبة الى ما تحمله من عبير ونجوى .
اذ ان للتعاطف في هذه الواحات البهيجة ، نصيباً وافراً من الارتواء من ينابيع القلوب الثرّة ، هذا التعاطف الذي يُطفئ من حدة الاحقاد ، ويوجب التآخي والتصافي ، ويوصل الى المحبة التي تطهّر النفوس .
وان للعيد الذي ودعنا - عيد التضحية والاحسان والاخاء ، لأكبر اثر في النفوس التي يشوقها عبير المعاني . ويضيئها ضياء أنجمها الزهر . وان فيه لاعظم رمز الى اضاحي البشرية . اولئك الذين انكروا ذواتهم وكانوا دعاة البر والخير .
ألا يا أضحيات الحق ، طاب عبيرك ! لقد تكلل جبين الانسانية ببهاء ارواحك ، وتلألأ في على الخلود شهب من
نهاية له من التقليد والاقتباس والكسب . وأخوف ما نخاف أن نرى المثل التي يجب ان تحتذى ، والتي ترتفع اليها انظار الشعوب . انما تنطوي على انحراف او اعوجاج ، لا يتبيّنه الافراد ولا تحسّه الجماعات . بل وأوخم عاقبة للناس ان يتبينوا ما في نفوس بعضهم ، وان يذروا الرماد على وميض نار تتأجج من ثورة تبتلع وتتكالب .
وما لي أذهب بعيداً ؟ فلنتساءل هل للضحايا التي مرت على مسرح الوجود ، من مقدر لمزاياها بيننا ، نحن الذين تناسينا عن مثلها في الجهاد المتجرد للحق ؟
ألسنا نرى ان الجموع هائجة للاستئثار ، مشتتة بالاحقاد . هائمة في سبل المنافع ، غارقة في اوحال الاطماع ؟ ألسنا نرى اشتداد تهافت الناس على لهب المنفعة الذاتية ، يتبرقعون بشتى الوسائل والاعذار ، ويُسدلون الاستار نهامة مخيفة ، تجرف معها الاستقامة والعدل ، وتكتسح الرحمة والاحسان ؟ حتى افتقدنا الثقة في تعاملنا ، فشاع في نفوسنا الشك والقلق ، وامتلأت قلوبنا بالضغائن .
انه لحري بنا في واحات الاعياد ، ان نتخلص من قيودنا المادية هذه وان نُصمّ آذاننا عن زجرة المطامع ، وان نخلص لله بنفوسنا ، لنستلهم من معاني هذه الاعياد ما نعلي به شأننا في معارك الذات ، ونحوز به الفوز في مجالي الجمال والكمال .
واذا لم نتلفت في هذه المنبهات المباركة الى ما جنت ايدينا ، وما حوت نفوسنا ، واذا لم نسبر اغوار الحوادث بعقولنا ، فلسنا لنستيقظ على واقعنا ، ولسنا لنقوى على التمييز بين الخير والشر ، وبين الجمال والقبح في مزايانا وعاداتنا ، وجموعنا وبين افرادنا ، وفي عقولنا واعماق ارواحنا .
فلنفكر بحرية ، ولنعمل باخلاص ، ولننشق من عبير العيد الذي ولى ، ما نشر في الاجواء من طيوب السمو ، ليتاح لقوى الانسان فينا ان تفور بالخير ، فتسقي الصحاري المتعطشة الممتدة على شطآن الزمان .