.. حاولت ، بعد انتهاء حفلة « الموسيقى والرقص » ان ادفع فرنكين لكل من روزينه ومرغريت ، لكن روزينه - الناطقة بلسانها - تمتعت باباء ..
معترضة بتأكيد :
- انت لست رودان !
- كلا ويا للأسف ! ، اجبتها .
واضافت وهي تهز يدي مودعة باشة :
- انا حرة الاسبوع القادم .
ويمكنني الجلوس صباح الاثنين ..
... في الطريق الى مطعم « بوده » بدا جبران شاحباً وأشبه بالكئيب . ولما استفهمت منه عن السبب قال : - اتعلم يا يوسف ، لم يحضر رودان حفلة بعد الظهر ... واشعر بألم في حلقي ... ربما لاني تكلمت كثيراً .. ولا شهية لي على الاكل ... وامامي في صباح غد موعد مع مخرج سينمائي ولا طاقة لي على محادثته وانا كما ترى ...
ولما بلغنا المطعم ودعني جبران معتذراً واستمر في سيره ، يستعين بالتعكيز على عصا لم تكن ، ابداً ، تفارقه .
طالعني اول دخولي الى المطعم ، وجه صديقي « كلمي » كان ينتظرني وهلل واقفاً لمرآي وبادرني على الفور :
- نيتك حسنة يا يوسف . توفقت في بيع اللوحة . هاك الخمسة فرنك . « الكوبيسم » عليه طلب . ولو كنت مكانك لعجلت بعمل غيرها ! ولجعلتها « كوبسمية » كذلك !
كان كلمي هذا شاباً يهودياً نشيطاً يغار على مصالحي ما دامت مرتبطة بمصالحه ! يبيع لي بعض اشغالي الفنية لقاء اتعاب وقد فرحت بالخمسة فرنك ، رغم كرهي لهذا اللون من الفن واطعت صاحبي « كلمي » وقضيت طوال نهار الاحد ارسم خطوطاً « مشربكة » واشكالاً غريبة والواناً متعاكسة في مجموعة متسقة ، حتى خيّل اليّ اني نجحت ، وجلست في انتظار « كلمي » ، اطالع في كتاب عن « اصول المسيحية » لرنان ...
وفي غمرة استغراقي بمطالعة رسائل مار بولس جاءني الكاهن الذي كان جبران يستخدمه عادة لبعض حاجاته ، يستدعيني بسرعة ، لان جبران مريض ويشكو الماً في حلقه . . فتركت
« لكامي » كلمة معلقة على الباب وكان الليل قد بدأ يخيم على باريس ، واسرعت لعند جبران فاذا هو ملقى بكامل ثيابه على الديوان ، مغمض العينين من شدة الالم .. فقمت للحال اضيء قنديل الغاز ، واحس جبران بحركة ففتح عينيه بجهد ولما رآني تمتم بصوت مخنوق : « جئت يا يوسف دخيلك لا تتركني وحدي . راح اختنق راح اموت ! » وبأنين اشبه بالبكاء اردف : « يا امي يا امي ! »
وخفت البوابة على صوت الانين ، حاملة صحن شوربا سخنة وقالت لي بلهفة :
- مسيو جبران لم يأكل شيئاً طوال النهار ...
وعبثاً حاولت اقناع جبران بضرورة الاكل ولو بضع ملاعق شوربا سخنة ولكنه اصر على الاشاحة بوجهه واطباق فمه مرسلاً انيناً متواصلاً ومغمغماً هذياناً مبهماً انقبضت له نفسي وطفرت الدموع من عيني وحرت في امري لا عارفاً ماذا افعل !
في هذه اللحظة انقذني دخول « كلمي » وكأنه هبط من السماء ! ولما وقف على الامر قال لي بدون تردد : - اراك ياصديقي لا تحسن التصرف في مثل هذه الامور . ماذا ؟ أنت دامع العين ؟ ! الطبيب ! الطبيب ! انا ذاهب في الحال لاستحضار الطبيب ...
وتوارى في هرولة ، ليعود بعد عشر دقائق خلتها دهراً ، برفقته شاب - يهودي طبعاً ! - سارع الى جس نبض جبران وفحص الحلق وقال بنبرة واثقة : « أنجين حاد ! » واخرج من حقيبة يده بعض اقراص ذوبها في الماء وصار يدفعها دفعاً بملعقة صغيرة الى فم جبران ، ثم اسند رأسه بلطف الى الخلف وحرك الملعقة الصغيرة داخل حلقه فانتفض جبران « وجعر » ، واخذته نوبة من السعال صار معها يقذف العلق والدم ، حتى خيل اليّ نوعاً انه ارتاح ، واوصاني الطبيب بضرورة الغرغرة بين ساعة وساعة ..
بعد ذهاب الطبيب انزلت الفرشة من على « التخشيبة » ساويتها على الديوان وساعدت جبران على نزع ثيابه وارتداء البيجاما . ثم تمددت قربه على السجادة اطالع قصة « الاب


