رفيقتين متلازمتين منذ عهد الحداثة مع اختلاف في الميل والعمر . فهي - اي زهرة - متخصصة في تعليم الاطفال : اما صديقتها فتعمل سكرتيرة في المدرسة التي تعمل فيها زهرة ، لانها لا تطيق تعليم الاولاد ولا تصبر على عشرتهم . يداها في حركة دائمة ، اذا انتهت من الضرب على الآلة او من جمع الارقام انصرفت الى تحريك يديها في حياكة الصوف ببراعة فائقة ، في حين تجلس زهرة لتطالع كتابا او لتهمهم أغنية .
كانت الرفيقتان تتبادلان الحديث وهما جالستان على شرفة الفندق بعد تناول الفطور . وقالت سنا وهي تتبع بنظرها عجوزين من نزلاء الفندق قد انتبذا ناحية مشمسة من السطيحة ليجلسا فيها :
- ألا تظنين ان هبوط هذين الشابين على الفندق من محاسن الصدف ؟ لقد كاد يقتلنا الملل في هذا الجو الموحش .
- صدقت . كأن صاحب الفندق وزوجته من بقايا العصر الحجري . إنهما لا يحسنان شيئاً سوى الابتسام وترديد عبارات المجاملة .
- لكن الطعام نظيف وموقع الفندق حسن
- إنه جو سحري يبعث النشاط ويثير الاحلام .
- الرفيقان ما زالا يغطان في نومهما . يالها من كسولين . لقد وعدا بمرافقتنا هذا الصباح في نزهة طويلة .
- ما نزال في الغدوة والطقس بارد . لا بأس اذا شرعنا في السير بعد ساعة من الزمن .
- اراك تدافعين عنهما
- ماذا تعنين ؟
ارتسمت على وجه سنا ابتسامة عطف بريئة وقالت بلهجة الاخت الكبرى :
إسمعي . لقد حدثني عنك حديثاً كثير المتعة . إنه يكن لك اعجاباً شديداً ولا اشك في انه مشغوف بك .
- تعنين عصام ؟
- نعم فالامر واضح . ألا ترينه أنبع لك من ظلك ... وانت ... لا أظنك الا راضية عن تصرفه .
- كيف ظهر لك رضاي ؟
- اراك مسرورة . وفي وجهك ملامح الرضى والسعادة
- لا ادري انه تأثير الجو والراحة وجمال الطبيعة والرفاقة . لكني لا استطيع اكتشاف شعوري بهذه السرعة . واني لأستغرب تسرعه .
- إنه يعرفك من زمن بعيد
- هذا لا يعني شيئاً
- ها هما آتيان . عصام يحمل أفتن ابتساماته
- لم يتأخر كثيراً . هيا بنا نغير احذيتنا .
★
في المساء - بينما كانت سنا تغط في نومها - كانت زهرة تتقلب على فراشها في غرفة الفندق وهي تراجع حوادث نهارها . استعادت في ذهنها ما قالته سنا في الصباح .. انها بلا شك صادقة في ملاحظاتها وفي ما نقلته . فصديقتها لم تكذبها قط . وما كانت في حاجة الى الكذب . فعصام يوجه اليها وحدها كل انتباهه ويرعى كل حركاتها ... وقد كانت النزهة رائعة حقاً ... مشوا طويلاً ، طويلاً في الشعاب والدروب التي تنساب كخيوط سحرية في السفوح
والمنعطفات ، حيناً مستقيمة وحيناً ملتوية ، تنفرج في البساط ثم تضيق وتكاد تختفي بين الصخور والاشواك ... كم تحب هذه الدروب التي عبدتها قبلهم الوف الاقدام ، تاركة وراءها آثاراً خفيفة تنطق بحب الانسان للارض او بخشيته منها ... بهذا تحدثت الى عصام حين هشأها على خفتها في المشي ، اذ رافقها اكثر الوقت متحدثاً اليها عن ميوله الحرة التقدمية وآرائه الاصلاحية ، كما وصف لها نشاطه الكشفي ، وكيف أنه يأمل ترغم الاتحاد الذي اجتهد في تأليفه . وكيف أنه نجح في حمل مدير المدرسة على زيادة ساعات الرياضة من اثنتين الى ثلاث في الاسبوع . ثم حدثها عن شغفه بالمشي والرحلات وتوسل اليها ان تصحبه ، هي ورفيقتها ، للقيام بنزهات عديدة في خلال هذه العطلة . واذا امتنع صديقه عن مرافقتهم فسيذهب واياهما وحده .
ورأت من اللياقة ان لا تدعه يستأثر برفقتها فانتهزت فرصة انشغاله بقطف بعض الازهار البرية وقت الرجوع لتميل الى الرفيق الآخر - نصري -

