خواطر من الوجدان
« أقصوصة في نفثات »
- ٣ -
جيهان غزاوي عوفي
« حبها الأول »كانت الحياة لديها دفقة من دفقات
الأمل المشبوب
والهوى الأخاذ
والحس الحاني .
إنها في غير هوج ولا طيش
فهي مسحورة بما ترى وبما لا ترى
مفتونة بهذا الشعاع السمح ،
الذي يملأ نفسها
وهذه الحيوية التي تعمر قلبها الرحيم
وهذه الدنيا ، الزاخرة بشتى أنواع
الجمالات
تهم بها وتؤخذ
فالسماء الشديدة الزرقة
وانبساط السهول الممتدة في ألوان
باهرة حتى الشاطئ
والجبال الشماء بحللها الداكنة
والهواء الطلق الذي تحب أن
يداعب شعرها الجعد ، ووجهها الأسمر
إنه لجميل هو أيضاً في كل ساعة من
ساعات الليل والنهار .
★جميل إذا ما ثار ، لأن في ثورته
معنى من معاني نفسها الأبية
ولطيف إذا ما هدأ لأن فيه الكثير
من لطافة شعورها
وهذه المدينة التي لا تؤمها إلا نادراًإنها لتهواها بملء ما فيها من صخب
وضجيج
وكذلك قريتها السادرة ، على أنغام
شبابات الرعيان
إنها تحبها في كل فصل من فصول
السنة
فالهدوء الذي يغلف أمسياتها ،
تحس بأنه يغمر كيانها بهدوء مماثل
تشتاقه نفسها وتهفو إليه
أما الليالي الوسنى القمراء ، فتقضيها
هي ، مسهدة في غير ما ملل
بل بلذة لا تعد لها عندها لذة أخرى
والموسيقى ، التي تبلغ من نفسها
مبلغ الهوس
يفتنها منها هزيجها ونحيبها .
والقصص ، على تباين أنواعه ،
تسمعه ، أو تقرأه مبهورة الأنفاس
متحمسة .
وكذلك التصوير ، فعلى تفاوت
مدارسه ، لا تملك نفسها من أن تنطبع
به وتتفاعل معه
فتظل كالمشدوهة الحالمة لا ينشلها
من عالمها ذاك إلا جدة أخرى ،
تضفي على كيانها بوادر جمال أخاذ .
أما الشعر ، فلنفسها منه حديث ،
ولنفسها معه حديث قد يطول ، وقد
يقصر ، ولكنه لا يرين أبداً
كأنما هو هذه الأنفاس القصيرةالمتتابعة ، التي تدفع بدمها الأحمر ، من
الرئتين إلى القلب ، على هدهدات من
نبضاتها السراع .
لذلك كانت إذا ما أحبت ، أحبت
بملء ما في كيانها من حماسة وصفاء .
وإذا ما كرهت ، كرهت بكل
ما في نفسها من كبرياء ورواء .
ولقد كان لها أم ، ليست كباقي
الأمهات .
أم أخذت عنها الكثير ، حتى هذا
المرح الانطوائي
وحتى هذه القيم النفسانية التي لا تتخلى
عنها ، ولو ببذل النفس والنفيس
ولذلك كان من جناية الحياة ، أو
المقادير ، أو الصدف ، أن تأخذ منها
هذه الأم مبكرة
فإذا هي تنطوي على ذاتها انطواء
عنيداً ، لا تفلح فيه حيل الأب المحب .
ولا تدليل الأهل واللدات
ولا ذلك الهوى الذي منحته للحياة .
وإذا بنفسها تعزف مرة واحدة ،
عن كل ما أحبت كأنما لم تجمعها به صلة
عبادة قديمة
وإذا هي منصرفة بكليتها إلى حب
أخيها الذي تكبره بسنوات قلائل
لتجعل له من نفسها أماً ترعاه ما
وسعتها الرعاية ، وتحدب عليه ما
وجدت إلى ذلك سبيلاً ،٢٢