
وليتروض هذه العقدة النفسية ، التي انثقلت الشد دون ما هوادة ولا هدنة .
ولكن المقادير ، او الصدف ، او الحياة نفسها تهزأ ضاحكة للمرة الثانية من قيمها
فها هو الوالد الذي طالما أعجبت به ، وتغنت بخلاله
ها هو يفجعها بظنها فيه ، فيبني بامرأة اخرى تحاول هي جهدها ان تعتبرها اماً
لترضي الوالد الذي ما زالت تحب
وترضي الضمير الذي تحمل
وترضي الكبرياء التي تنأى الصغائر
فما تكاد تفلح ... او تتطامن
واذا هي ؛ تزداد انطواء على نفسها
كأن هذه النفس ما عرفت السعادة يوماً ، ولا أبهت بمفاتن الحياة
والقلب الكريم ، بين هذا كله ، يختلج اختلاجاً عنيفاً
والنفس الهائمة بالمثاليات .
تتلقى الضربة إثر الضربة ، بهدوء يملأ عينيها بالدموع ، وشفتيها بالابتسام المموّه .
والأخ الحبيب ، الذي حاولت ان تجعل من خُلقه إنموذجاً حياً للفتيان الخلّص ، فلم توفّق
ولم تحصد منه الا تعنتاً وغروراً طافرين
اذا بها تيأس منه للمرة الاخيرة ، وكأنها في هذا اليأس قد قطعت ما بينها وبين الحياة ، من صلات وثيقة .
وخيّل اليها انها لم تعد بحاجة الى مخلوق ما
لتثبت وجودها فيه
وخيّل اليها كذلك أن ليس ثمة مخلوق ، بحاجة اليها بعد ...
واذن ، فما الذي يصل بينها وبين الحياة ؟!
ولماذا تعيش ؟!!
ولكن قوى الفتوّة الخفيّة
التي تدأب دائماً على توشية الاحداث بألوان رائعة فيها الكثير من جمال الشجاعة ، او من جمال انكار الذات .
كانت تُضفي على حياتها ، لوناً زاهياً من خرافة البطولة .
حتى لتحس نفسها ، كأنما تمثّل دوراً من ادوار رواية خيالية لا تمت الى واقعها بسبب .
فهي لذلك نشوى ، طفرة حتى البكاء بهذا الدور فخورة به ، مستجيبة اليه
وهي لذلك تعود الى الحياة عودة اللهفان الظامىء
ولكن بقدم من يخطو خطوة الى الأمام ، وآخرى الى الوراء ..
لأنّ الشك الجاثم على الصدر الصغير
لم يكن من اليسير رفعه ، والالقاء به مرة واحدة ، خارج نطاقها الذاتي .
ترى ! أكان هذا كله مهيّئاً بحكمة ليوفع بها في غير تفكير ولا قصد كي تهيم به ، هو وحده ، دون الناس اجمعين
هياماً عذرياً ، عرماً
فيه تعبّد الراهب ، ودنياه المتقشفة وضراعة العابد ، وعالمه القرير
به هو ، ذياك الذي واكب احلام نشأتها خطوة فخطوة
فما برحت تحلق به عالياً ، وعالياً جداً
حتى غدت لا ترى من ماضي طفولتها الغريرة إلاه .
وغدا ذلك الماضي متجمعاً كله ، في فترة واحدة من فترات صباها وفي مكان واحد
هنالك حيث رأته لاول مرة ، وكأنها تراه من وراء ضباب كثيف بجسمه الضاوي ، وابتسامته الحيّة تحت تلك الازدرخته المخيمة بأغصانها الملم ، على نافذتها الغربية المطلة على واحة المنزل
حيث كانت تقفُ اليها الساعات الطوال
بالرغم من سنيها التسع الصاخبة لتتمتع بمرأى اهل البيت الذين تحبهم
وهم يروحون ويجيئون حيال البئر العميقة
وصهيلُ فرس ابيها يصل الى مسامعها
مع خبب حوافر المُهر الأدهم كأنها الحان متراقصة
والأفق وقد أخذ يلونه شفق المساء .
كل ذلك كان يلوح لها . كأن له طابعاً شفافاً من النعيم
حينما شقّ طريقه اليها ، وهو على تعب من السفر الطويل
ليقول لها بصوته المنخفض
وهو يُزيح خصلة شقراء عن جبينه : أهي انت ... يا ابنة العم ؟!
(يتبع)