كانت تقطع احد شوارع العاصمة، وقد غرقت في نشوة الموسيقى «المدنية» المنبعثة من هدير التراموايات، وتزمير السيارات ودوي «الموتورات».. وكأنها سحرت بفتنة هذا الجو «الشعري» فراحت تقنع سمعها وبصرها وحسها بانها حقاً ليست على الأرض، بل في جنة «جهنمية» ملائكتها آلات القرن العشرين وفوضى بيروت المنظمة!.. وما كادت تصل الى هذه الحقيقة حتى رأت نفسها كتلة مطروحة في عرض الشارع.. وطبعاً لم تزلق قدمها من سحر الموسيقى، بل اثر وطئها على قشرة موز، تصدّت لتنبهها الى الواقع ولتذكرها بالعودة من الجنة المزعومة.. وكاد لسانها يتحرّك بالعتب التقليدي على البلدية، او على الحكومة لو لم تلمح على بعد مترين فقط، وعلى ارتفاع نصف قامة عن الأرض، صندوق الفضلات، يلوّح بدعواته المرفوضة..
اجل، تعوّدنا ان نلوم غيرنا، ونضع المكارة على عاتق سوانا.. غيرنا يلام، اما نحن فحاشا.. نحن لا نخطئ لاننا لا نتحمل مسؤولية انفسنا.
لا تستغرب يا قارئي، فهذه واحدة واليك اختها.. قالت لي واحدة من اعضاء المجلس البلدي انها رأت احدهم يطرح بعض قذارات في الطريق العامة، وحاولت
ان تردعه، فنظر اليها بسخرية وقال: ومن انت لتمنعيني.. لا يخصك اناحر فالشارع ليس ملكك.
مسكينة الحرية اذا انحدرت الى هذا الدرك، وباتت وسيلة نمر على ظهرها الى مآربنا ضاربين عرض الحائط بعاقبتها، واثرها في المجتمع.
ويذكرني في الوضع هذا بما كان يحصل في معهدنا الداخلي.. وعلى سبيل النكتة اذكر الحادثة التالية.. لقد كان الخدم ينظفون الملعب، وما ينتهون من ذلك حتى تكتسي ارضه بطبقة من الأوراق
والفضلات، فما كان من الادارة الا ان عينت الطلاب انفسهم ليقوموا بمهمة التنظيف.. فما رأي المجلس البلدي لو دعا الشعب، سكان بيروت مثلاً، الى تنظيف الشوارع بانفسهم اقتداء بادارة المعهد الثانوي؟
اقترح هذا على المجلس البلدي لا لأوفر على صندوقه، او أسدّ باب الرزق في وجه بعض العمال، بل ليصبح لكل انسان يد في عملية التنظيف، ويتحمل كل امرء جزءاً من مسؤوليته هو.. فيريح البلدية والحكومة.. الى حين..

