- احب ان اكون مثل يوسف الحويك، اجاب بدون تردد..
من اصل سعودي ؟!
- وكم عمرك يا محمود ؟
- عشر سنين ... وكم شهر !
ولاحظت انه، خلافاً للاطفال، يقتصر في اجوبته على ماقل ودل. يجيل عينيه اولاً في تفكير... ثم يجيب في اختصار.
- وهل تعرف من الدنيا غير بيروت ؟
- اعرف الشام. وسنذهب اليها في العيد.
- هل عندك اهل في الشام ؟
- نعم بيت جدي في الشام. امي شامية.
- وابوك ؟
- ابي يعمل في تصليح السجاد. ولد في الشام لكن اصله سعودي.
- سعودي !!
ولم اتمكن من اخفاء استغرابي. ومن اين للصحراء السعودية وجفافها القاحل ان تفجر مواهب فنية ؟! ..
- وكيف كان ذلك ؟، سألت محمود مستفسرة ؟
قصته من فمه: - هذه قصة طويلة، اجاب الصغير، ترجع الى ايام جدي، وكان، مرة، يمشي في جدة، وعمره اربع سنين، فالتقى به تاجر سوري راكب على حصان. واعجبه هذا الصبي الاسود العاري القدمين واحتمله معه الى الشام !
- يعني سرقه ؟!
- نعم سرقه ... اجاب محمود ضاحكاً، عن اسنان بيضاء كالثلج.
- ثم ماذا، سألته ؟
- بقي عنده اجيراً حتى شبّ وتزوج جدتي من الشام ورزقا ابي وعمي وكلاهما تزوجا من الشام.
هنا استجليت السر الغامض الذي
يكمن وراء هذا الفنان الطفل. انه التلقيح بالمواهب السورية الاصلية يتفتح عن زهرة!
اختبرت مواهبه الفنية:
وكأني اردت التأكد من فن هذا الصغير، والانسان مفطور على الشك، فسألته ان يرسم شيئاً في الغرفة فانتقى صدفة بحرية كبيرة نستعملها نفاضة للسكاير واعطيته ورقة واستخرج هو من جيبه، قلماً.. واستخدم اصبعه لتجليس الخطوط. لكنه لم يستعمل ممحاة !
والتمعت عيناه بشعاع غريب، وهو ينقل الطرف سريعاً من الصدفة الى الورقة ومن الورقة الى الصدفة وقد نسي كل شيء والتهى عني وعن كل ما حوله ... الا انه فنان يرسم ! وخطفني منه هذا الشعاع الملتمع في عينيه السوداوين وهو يرسم سريعاً، كمن يجتاز امتحاناً، مطبقاً فمه بتواضع وثقة بالنفس لا حد لها!
.. وفي غمرة اندهاشي انسللت من مكتبي الى المكاتب الاخرى والى المطبعة، وصحت بهم جميعاً: «تعالوا انظروا !.. تعالوا انظروا كيف يختلف هذا الطفل عن كل طفل رأيتم وعرفتم !..»
وبعد ان اهديته اوراقاً واقلاماً.. وشكولاتا حملته بنفسي الى استديو
قريب وقلت للمصور الفوتوغرافي: - «ارسم لي، ارجوك، عيني الفنان الموهوب في هذا الطفل!»
مستقبل محمود بازي: وسألته وانا اعدّل جلسته امام عدسة المصور: «هل يشجعك ابواك يا محمود على الرسم ؟
- امي لا تبالي. دائماً منهكة بالشغل. نحن خمسة إخوة انا ثانيهم. اما ابي فيا طالما نهرني على الرسم وقال لي: «هذا الشغل لا يطعم خبزاً! اقرأ في كتبك! وانا اذني الوحيدة الرسم... ولكني لا اهمل دروسي لانني اعلم انها الان اهم!
- وهل اختلف موقف ابيك منك بعد ان نلت الجائزة ؟
- نعم هو الان اكثر تفهماً من الاول واكثر التفاتاً الى رسومي.
- ومن يشجعك منذ البدء ؟
- يشجعني اولاً عمي ثم معلمي مدام غصن في مدرسة الطليان للبنين حيث اتعلم
هذا حديث الطفل محمود بازي، انقله الى القراء لا مبالغة في حرف واحد. وانني لاتساءل، اي مستقبل ينتظر هذا الفنان الصغير ؟؟
- التحرير -

