ودّعت هياكل بعلبك الخالدة ضيوفها أعضاء الفرق التمثيلية والموسيقية ، وأطفئ الستة ضوء كشاف ، وأرخي الستار على الجولة الأخيرة للمهرجان الدولي الثاني ، بعد أن أعلنت الدولة بلسان قائدها الأعلى تبني هذه المهرجانات وتخصيص اعتماد سنوي معين لها .
صفق البعض للخبر وهلل ، وغضب آخرون . وتباينت الآراء وتضاربت . فمن متهم الدولة بهدر مالها لما هو غير وطني ، والمشاريع الوطنية أولى بهذا الاعتماد وأحق ، ومن ذاهب إلى أبعد من ذلك .. وهنالك صفوف تمشي مع القطيع راضية بالأمر الراهن ، دون أن تكبد نفسها مشقة البحث عن فضائله أو مساوئه ...
من الحق الاعتراف قبل كل شيء أن التثقيف الفني - موسيقياً ومسرحياً هو من أبرز مظاهر الرقي والتحضر فأين نحن من هذا التثقيف ؟ ومن يجرؤ ، ولا يخجل إذ يجيب على هذا السؤال ؟
لسنا هنا بصدد البحث عن أسباب تخلفنا الهائل عن الركب العالمي في هذا المضمار ، ولسنا وحدنا ولا الحكومة وحدها المسؤولة عن ذلك . ولعل من الأفضل أن نكون إيجابيين فنتساءل : هل من مجال للتعويض عما فات والاستفادة الآن من ظروف تتيسر لنا على أهون سبيل ؟
أنا أفهم المهرجانات ، برامج ووقائع فنية على مستوى رفيع ، تضع هي نفسها تحت تصرفنا ، فيتاح لجماهير الشعب ، ممن لا تسمح لهم ظروفهم لألف سبب وسبب ، الخروج إلى عواصم أوربا الكبرى ومشاهدة هذه الفرق في معاقلها . أنا أفهم هذه المهرجانات نماذج حية للتراث الكلاسيكي الراقي ومقياساً عالياً ، نُدوْزن عليه مفاهيمنا ، وحاسة تذوّقنا ، وتقديراتنا الفنية .
هذا هو مبدئي . تبقى ثمة تمنيات للمستقبل - ولا أقول مآخذ - قد تلقي ضوءاً على بعض الإمكانات ، وبالتالي تساعد اللجنة في التوفيق إلى إخراج المهرجانات إخراجاً أدنى إلى الكمال والفائدة العامة .
١ - أتمنى ، كخطوة جذرية ، تعزيز الفنون في المراحل الدراسية جميعها ليصار إلى اكتشاف المواهب الأصيلة وإنمائها .
٢ - أتمنى تشجيع المسؤولين للمواهب المحلية وفسح المجال لصقلها وظهورها ، وبقليل من الجهد والبذل المادي أمام العناصر الفنية الخلاقة يمكن إحياء تراثنا الفني وبعث الفولكلور التقليدي المحبّب في ثوب عصري زاهٍ .
٣ - أتمنى أن تعمد الدولة إلى إشادة دار أوبرا ومسرح تكون مركزاً لتفاعل وانعطاف الإمكانيات الفنية الكلاسيكية وتقريبها ، مع الأيام ، من أذواق ومفاهيم الشعب .
٤ - وأتمنى أخيراً ألا تقتصر مرابع المهرجانات الفنية في المستقبل على هياكل بعلبك ، بل تشمل بيت الدين وجبيل حتى والأونسكو وغيرها ، لتصبح هذه البرامج الراقية في متناول الجميع ، ولا تبقى محصورة في الطبقة الغنية وحسب .
إن للمهرجانات الفنية فضائلها ، والعين الإيجابية وحدها ترى الفضائل .


