

عادت الطفلة من المدرسة عند المساء وما خلعت عنها المريول ومحفظة الكتب حتى جاءتها الام بالعصرونية . وسألت :
هل اكلت الفطائر التي اخذتها صباحاً ؟
نعم واطعمت منها سهام
- لماذا لم تأكليها وحدك ؟ يالك من بلهاء !
- لكن سهام صديقتي و ... وحين تأتي الى هنا مع أمها ... ألا تطعمينها الفطائر والشكولاتا ؟
- إنها تأتي حينئذ زائرة مع امها . نحن نقدم المأكولات للزائرين فقط ... الا تفهمين ؟
واخذت الطفلة تقضم عصرونيتها ساكتة ، حين قالت الام : كلي ما اعطيتك هنا ولا تخرجي لتوزيعه على صويحباتك . واذا خرجت للعب لا تتعوقي .. عليك ان تدرسي مسائلك لتكوني الاولى في الصف . أليس عاراً عليك ان تسبقك هند وسلمى وانعام ؟
وحين انتهت البنت من الاكل قالت الام : لا تذهبي قبل ان تمشطي شعرك وترتبي ثيابك . اتريدين ان تكون سميرة اجمل منك ؟
وتحدثتُ الىَّ نفسي بعد هذا قائلة : ألا يمكن هذه الام ان تربي في بنتها الحرص والطموح من غير ان تربي فيها
روح المنافسة والحسد وبدون ان تقتل فيها غريزة الالفة والحب والتعاون ؟
ها هنا « مسطرة » من مساطر التربية الشائعة عندنا . العطاء فقط للمباهاة ، للظهور ، في احوال الضيافة ، في الظروف التي تنص عليها التقاليد - اما العطاء التلقائي فلا يلاقي تشجيعاً ونشاطنا ايضاً يجب ان يرتكز على المنافسة والرغبة في التفوق . نسعى لا حباً بالسعي ، بل رغبة في قهر فلان وسحق غيره . كأننا لا نستطيع ان نشعر بلذة العمل مجرَّدة ، خالصة من ادران الغيرة والانانية .
واني لاستعرض جيوش الاولاد الذين نشأوا وينشأون على هذه الاساليب التقليدية . عالمهم عالم اشخاص ، يكاد يخلو من صور الطبيعة ومتعها ، من محاسن النبات والحيوان ، والجبال والانهار ، يدرسونها ويلهون بها عن مناظرة بعضهم بعضاً ومراقبة بعضهم بعضاً .
اذا اقتنوا هرّاً شغلوا بضربه وتعذيبه عن درسه ومؤالفته . وان ارادوا اللهو في الاحراج حملوا بندقية صيد يقتلون العصافير المسكينة ، او قضيب دبق يمسكون به الحساسين المغردة ليحبسوها داخل قفص .
وليست علاقتهم مع البشر افضل حالاً ، رغم شغفهم بالعشرة والمؤانسة .
واني اذا ذكرتُ جماعات الصغار والكبار الذين عشت بينهم في صغري ، رأيت نساء واولاداً ، شباناً وشيوخاً يلهون بسرد حكايات الغير وكشف عيوبهم ؛ ويجدون متعة كبرى في السخر والهزء من كل ما يرون او يسمعون حتى اذا حضر اولئك الذين اتخذوهم موضوع سخرهم ، عكسوا الآية وحولوا الكلام من ذم الى مدح ومن سخر الى لطف ومجاملة .
لقد تعلمنا في صغرنا ان نسيء الظن في الناس وبالتالي ان نجتنبهم ونحتقرهم . وتعلمنا في صغرنا ان نلهو بنقد الناس في غيابهم ومجاملتهم في حضورهم . وتعودنا ان نبني اعمالنا على المنافسة بدل التعاون .
واني حين اذكر هذا كله ، أفهم سر هذه الانقسامات التي تشل في بلادنا حركة التقدم ، ويتضح لي سر العداوات التي تعصف بسكان هذا القطر والاقطار المجاورة .
ويلوح لي بارقة امل في الحركات الكشفية والالعاب الرياضية التي تنشر وتزدهر . فاود ان تزداد انتشاراً وازدهاراً في كل بلدة وكل ناحية ، لعلها تنشر بيننا روحاً جديدة ينشأ عنها جيل جديد .

