
والتمعت عينا روزينه بفرح طفلة تفاجأ بهدية تحبها ، ولم تحاول اخفاء سرورها وسارعت إلى الحيط المدلى من عنقها تستعيض عنه بالسلسلة الجديدة ، وبعصبية ادخلت الاساور في زندها ثم امسكت بيد جبران وهمت ان تقبلها : فقلت لها : «على خده!» فتخضبت وجنتاها ، وكذلك وجنتا جبران وتركها تقبله دون ان يجرأ على اعادة القبلة! لقد كان حبيباً ، يجيد فنون الغزل فقط في الكتابة والكلام .
لم يكن جبران ، ابان وجوده في باريس «دون جوان» كما يزعم البعض! ..
في ربيع ١٩١٠ وصل امين الرحباني إلى باريس ونزل في حي البيع والشراء قرب المحطة الشمالية ، وجاء يزورنا انا وجبران في الحي اللاتيني - حي الفن والادب - فوجدنا منهمكين في رسم «المحمولة على اذرع الملائكة» ، فصار يمزح مع جبران ، حيناً بالعربية وبالانكليزية حيناً آخر ، ويختلس النظرات إلى جسد روزينه العاري ، مستلقياً فوق الطاولة . وكان روزينه احست وقع نظراته فقامت تلمم ثيابها وتلبسها مسرعة متمتمة بالايطالية : «هذا الرجل ليس بالفنان ، واراني مستحية في حضرته!» وعبثاً حاول جبران وحاولت انا اقناعها بان الزائر هو صديق لنا اديب «وفرخ فيلسوف» ، لكنها لم تقنع ، وانصرفت بعد ان اتفقنا على موعد آخر ..
استأجر جبران عربة يجرّها حصان وخرجنا نحن الثلاثة إلى نزهة في المدينة . مررنا أولاً بقصر «بوربون» ، مجلس النواب وبالكاد اعرناه لفتة خاطفة لان السياسة المحلية لا تهمنا ... نحن ... ننظر إلى الكون من عل .. وعبرنا الجسر إلى ساحة «الكونكورد» وابتدأنا نصعد - أي ابتدأ الحصان يصعد جاراً العربة في جادة «الشانزليزه» - اجمل جادات العالم دون مبالغة!
على رجرجة العربة ومن وراء كتفي قال جبران : «اخونا يوسف راضي بالكون كما هو ...» فغمرني امين بتحبب وقال : «هذا هو ابني الحبيب ... ولما حرمني الكهنان في لبنان وهجرني الاخوان ، جاء يزورني ويتفقدني فسررت به اي سرور! ...»
تعب الحصان وتملل الحوذي فدفع له جبران الاجرة وصرفه .. وجلسنا نتناول طعام الغداء بدعوة من الرحباني ، في مطعم هادئ على ضفة البحيرة ... ولم ننس ان «قليلاً من الخمر ينشط قلب الانسان!» وعلى مسمع طيور البط العائمة بدلال على المياه ، صب الرحباني وجبران ، ببعض القساوة ، جام غضبهما على رؤوس مستغلي الاديان ، وعلى الاديان بوجه عام ، كما كان يفعل «فولتير وديدرو» ورفاقهما قبل ١٥٠ سنة ... في باريس وربما في المكان ذاته!
واتساءل اليوم محزن ، بعد ٤٦ سنة : اين جبران؟ واين امين؟ «وهذا الكون باقٍ كما كان .. وكما سيبقى دائماً» (الكلام لفولتير) .
