عند المساء آثرنا العودة ، مشياً على الاقدام . وفي « الجادة الجميلة بين الجادات » اسر امين في اذني : « ما قولك بسهرة في المولان روج ؟ » اجبته : « لا بأس اذا كنت ترغب بذلك ! » وكان جبران تعباً فاوصلناه الى محله وتوجهنا الى حي «مونمارتر» لمشاهدة اعجب مسرح بين مسارح باريس الليلية .. والذي يسمونه « علبة ليل » ... وسألني امين في الطريق ان كنت اكثر الترداد الى العلب الليلية ، فأخبرته كيف اني زرتها مرة واحدة من باب التعرّف بالشيء ، ثم بين حين وآخر نزولاً عند رغبة صديق غريب عن باريس ، وعلى حسابه ! ثم سألني : « وصديقنا جبران ، الم يطلب منك مرافقته اليها ؟ » - كلا - نحن نذهب لمشاهدة المسارح الكبيرة ، عندما تتوفر لدينا اوراق عزيمة !
... وجلسنا انا وامين ، بين الجالسين ، على مقاعد مريحة في صدر القاعة ، وامامنا على المسرح « طوفان » من الصبايا الشبه عاريات ... رؤوس تتترى ... واعين تشعّ .. وشعر بجوهر وثغر ملوّن ومنقوش وصدور نافرة تتماوج وترقص .. وبطون مزدانة بالحلي تستجلب الانظار ، وسيقان تنفسح عن بعضها وتنضم لترتفع فوق الرؤوس .. واذرع تتلاعب كالحيّات .. واصوات غناء وضحك ، وضجيج الات موسيقية غريبة صاخبة ، ودخان التبغ يتصاعد كثيفاً عابقاً ثم يعود يرسب في الانف والحلق والصدر فيضيق النفس ! . فالتفتُ الى امين وقلت : هذه « العُلَب الليلية » هل انت مسرور ايها الاب الازلي ؟؟
انتهى الفصل الاول .. وتموّجت القاعة بالجماهير واختلط الحابل بالنابل ، والنساء بالرجال ، يقدنهم الى « بار » المشروبات حيث تطير الفلوس من الجيوب ! وانا والريحاني جالسان مثل الاصنام لا نقول شيئاً ولا نفكر في شيء ... غريبان في ذلك الجو الغريب ... وفجأة شعرت بيد تربت على كتفي واخرى على كتف امين وسمعت صوتاً عذباً يقول لنا : « هل انتم من القصدير ايها السادة ام انكم مسمرون على المقعد ؟ »
نفض الريحاني ذراعه من الالم العصبي ، وتفرّستُ انا في وجه البنية مستفهماً : « انا مرغريت » قالت ، « رفيقة روزينه !! »
- ومن يمكنه معرفتك في هذا الوجه « المسخّر » ؟ وهذا اللباس الذي ليس هو بلباس ؟؟ ما تفعلين هنا ؟ ! »
ولعلّ لهجتي كانت قاسية ، لان مارغريت ضحكت ضحكة غير طبيعية واجابت : - « وانت ماذا تعمل هنا مع هذا « الذات » .. وحدّقت في وجه امين وحدّق امين في
وجهها. وسألتها مستفهماً : - «وهل روزينه تأتي ايضاً الى هنا؟ كلا ، اخوتها لا يسمحون لها. هي عندها اهل يغاورون عليها، اما انا فليس من يسأل عني .. وراحت تضحك وتبكي في آن واحد وتمسح دموعها بلطف لئلا يزول الكحل وباقي الالوان واخيراً قالت : - «انا لا ادعوكم الى البار .. ذلك يكلفكم مالاً كثيراً هنا مغارة اللصوص ايها السادة ! »
لكن امين انتخى واخرج من جيبه نصف ليرة ذهبية ثروة في تلك الايام - ووضعها في كف مرغريت ، وانا مندهل لا ادري ما الذي يدفعه لهذا الكرم الحاتمي ! .. فما كان من البنية

الا ان غمرته بذراعيها وقبلته على جبينه وتوارت بين الجماهير تاركة فوق ملتقى حاجبيه رسم شفتيها الحمراوين ..
« صحتين يا امين ... صحتين » - رحت اردّدها في اذن امين وانا امسح الحمرة بطرف محرمتي وامين يمازحني بلطف : - « لا تمسحها يا يوسف ... ثمنها نصف ذهبية !! »
وأعطيت الاشارة لابتداء الفصل الثاني ، وكنا قد شبعنا من مشاهدة طوفان النساء الشبه عاريات ، ومن استنشاق الدخان ، وتضايق امين واشتد على ذراعه الالم العصبي .. فخرجنا ، ورافقته الى المنزل ، ففركت له كتفه كما كانت تفعل «ام امين » في الفريكة ... وتواعدنا على زيارة متحف اللوفر في الغد ...
(يتبع في العدد القادم)
