عملها في البيت والمعمل ... فهي تهيّئ الاكل الجامع بين البساطة واللذة ، وتعتني باولادها وزوجها الى جانب قيامها بواجبها نحو عملها ورؤسائها . وهي قليلة الزيارات ، لا يراها اصدقاؤها الا في المناسبات .
ورأيتها في المتاحف الفنية ، والمسارح وقاعات الموسيقى ، فهي ذوّاقة تحب الفنون وتميّز بين غثها وثمينها ، ولها عين واذن وحس ، تتميز بالدقة والوعي الصحيح . بل رأيت تلك التي لا تتردد في جعل نفسها مثالاً لفنان ، ينقل عنه لوحة او ينحت تمثالاً .
ورأيت حتى المتشرّدة ، تلك الوحيدة التي تركض وراء الحياة والحياة تهرب منها لا مأوى لها ولا مبيت ، ترافق الرجال وتحيا حياة رخيصة ، ولكنها مع ذلك تفتش عن التجاوب الفكري والروحي بينها وبين رجلها المختار .
وفي جميع مراحلها واوضاعها ، رأيتها امرأة نشيطة جريئة حرة التفكير تتكل على نفسها وتحب الحياة بمصاعبها وعثراتها وتعرف كيف تتقي العثرات وتتخطى المصاعب .
اما المرأة الشرقية فالاتهامات التي يوجهها اليها الجامعيون العائدون ، ليست كلها خاطئة - للاسف - فاذا ما ولجنا دنياها رأيناها على كثير من السطحية والاتكالية . في مجتمعها ، في بيتها ، ومع زوجها . فغايتها الكبرى والاخيرة الزواج والبنون ، فاذا ما وصلت الى هذه الغاية ، ابتلعتها العائلة .
فالطالبة الشرقية قلما خرجت عن نطاق دروسها ، وقليلات هن الثقيفات اللواتي يتأثرن بمجتمعهن وما يمر به من
تيارات فكرية ، بشكل ايجابي ، او يشاركن في معالجة النظم السياسية والاجتماعية . وحتى هاته القليلات ، فانهن اما انطلقن قليلاً ركبهن الغرور فتعقدت نفسيتهن وبعدن عن التواضع والبساطة المحبّبين .
وأما الجاهلة ، فهي مثال الاتكالية والتأخر البدائي ، يسيرها زوجها وذووها وتعمل آلياً دون ان تحس لرأيها أثراً في ما تعمل .
اما عند الزواج ، فالمادة ، وقدرة المرشح على توفير الحياة الناعمة ، هي المقاييس التي تتخذها فتاتنا دستوراً لاختيار مسيّر دفة ايامها .
ولكن ... اتنحصر الاخطاء والتقهقر في المرأة الشرقية ؟ اتكون هي المسؤولة الوحيدة عن بقائها في مؤخرة القافلة التقدمية ؟
لا ، ان افساد الاسس التربوية والاجتماعية التي تعيش في ظلها ، هي التي ادت بها الى هذا الانطواء ، وارهقتها بالكبت والحرمان .
فتربيتنا البيتية في اساسها سلبيّة رجعيّة ، لا تعد الفتاة لمواجهة الواقع ولا تسلحها بما تجبه به الحياة المزمعة . انها تقيّدها باتكالية عمياء صماء ، وتعمل على هدم كل عنصر تقدمي فيها منذ طفولتها .
فسطحية المرأة الشرقية عائدة الى تمرّسها منذ الصغر بتافه التفكير ، وبعدها عن تفهّم القيم الخلقية الايجابية والكفايات والمؤهلات الشخصية .
واتكاليتها وعدم ثقتها بنفسها ، ناتجان عن خوف عريق من المسؤولية ، لأنها لم تنشأ عن حب تلك المسؤولية ولم تألفها .
فكيف يريدونها ان تتطور وتنطلق وترافق الشباب وتصادقه دون ان يكون وراء الصداقة والرفقة مشروع زواج او عاطفة ، والشباب الشرقي نفسه لا يؤمن بهذه الصداقة ؟ وكيف تختار الشباب الذي يمكنها ايجاد جو تفاهم روحي وفكري معه ، ووالدتها اعدتها منذ فجرها لانتظار الرجل الثري ... كيف تختار رجلها ولا مجال لها لاختيار الرجل دون ان تتعرض لخطر عدم ايمان الرجل نفسه بالصداقة البريئة . كيف يريدونها ان تساهم في السياسة او الشؤون الفكرية ومحيطها ينكر عليها هذا الطموح ؟
ان الشاب الشرقي - للاسف ، وللاسف الشديد - لم يبلغ بعد نضج الشاب الغربي ومرونته ، ولم يزل ينظر الى الفتاة نظرته الى اداة لا ارادة لها ولا شخصية ولا شعور ، فلا يأنف وهو ينظر تلك النظرة الى خطيبته - مثلاً - ان يرى آخر ينظر النظرة نفسها الى شقيقته .
أفما كان احرى بالجامعيين المحترمين ان ينتقدوا البيئة ، والعادات ، والجهل التي يتخبط فيها منشئو الاجيال الشرقية الطالعة ؟
اما الجامعية التي ردّت على الجامعيين فقد حصرت ردّها في الناحية الجنسية واتهمت الشبان بانهم يدعون الى الاباحية البغيضة ، وكان احرى بها - وهي الجامعية الواعية - ان تعلم ان هناك غير هذه النظرة الشخصية المحدودة . هناك نظم واوضاع وعادات وتقاليد ، تقف دون المرأة الشرقية ، وصيرورتها امرأة مثالية تهيّئ الغد ونشء الغد .
